ابن الجوزي

273

صفة الصفوة

الرق . ثم هاجر إلى المدينة فو اللّه إني لفي رأس عذق « 1 » لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال : فلان ، قاتل اللّه بني قيلة « 2 » واللّه إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم زعم أنه نبي . قال : فلما سمعتها أخذتني العرواء « 3 » حتى ظننت أني ساقط على سيدي . قال : ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ما ذا تقول ؟ قال : فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة وقال : ما لك ولهذا ؟ أقبل على علمك . قال : قلت لا شيء ، إنما أردت أن أستثبته عما قال . وقد كان شيء عندي قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم . قال : فقرّبته إليه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه : كلوا وأمسك يده هو فلم يأكل . قال : فقلت في نفسي : هذه واحدة . ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحوّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به فقلت : إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه . قال : فقلت في نفسي : هاتان اثنتان . قال : ثم جئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد « 4 » - قد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان - وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت انظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ؟ فلما رآني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي . قال : فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : تحول .

--> ( 1 ) العذق : النخلة . ( 2 ) بنو قيلة : هما قبيلتا الأوس والخزرج ، لقبوا بهذا الاسم نسبة إلى أم لهم تدعى قيلة بنت كاهل . ( 3 ) العرواء : الحمى . ( 4 ) هي مقبرة أهل المدينة .