ابن الجوزي
263
صفة الصفوة
يا معشر الخزرج - وكانت الأوس والخزرج تدعى الخزرج - إنكم قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه ومحمد من أعزّ الناس في عشيرته يمنعه واللّه من كان منا على قوله ، ومن لم يكن منعه للحسب والشرف ، وقد أبي محمد الناس كلهم غيركم فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة سترميكم عن قوس واحدة فارتئوا رأيكم وائتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن اجتماع فإن أحسن الحديث أصدقه ، وأخرى : صفوا لي الحرب كيف تقاتلون عدوكم ؟ فأسكت القوم وتكلم عبد اللّه بن عمرو بن حرام فقال : نحن واللّه أهل الحرب غذينا بها ومرنّا ورثناها عن آبائنا كابرا فكابرا ، نرمي بالنبل حتى تفنى ثم نطاعن بالرماح حتى تكسرها ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا . فقال العباس : هل فيكم دروع ؟ قالوا : نعم شاملة قال البراء بن معرور : قد سمعنا ما قلت ، إنا واللّه لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فبايعهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والعباس آخذ بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يؤكد له البيعة تلك الليلة على الأنصار . وعن الشعبي ، قال : انطلق النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالعباس إلى السبعين عند العقبة تحت الشجرة فقال العباس : ليتكلّم متكلمكم ولا يطيل الخطبة ، فإن عليكم من المشركين عينا ، وإن يعلموا بكم يفضحوكم . فقال قائلهم ، وهو أسعد « 1 » : يا محمد سل لربك ما شئت ، ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت ، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على اللّه إذا فعلنا ذلك ؟ فقال : أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم . قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : الجنة . قالوا : فلك ذلك . وعن يزيد بن الأصم قال : لما كانت أسارى بدر فيهم العباس فسهر نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلته فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبي اللّه ؟ قال : أنين العباس . فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما لي لا أسمع أنين العباس ؟
--> ( 1 ) أي أبو أمامة أسعد بن زرارة .