ابن الجوزي
255
صفة الصفوة
وعن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان . فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي بالشام ، والناس في شغل ، فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدّم في القبر . ذكر نبذة من تعبده واجتهاده : عن ثور بن يزيد قال قال : كان معاذ بن جبل إذا تهجّد من الليل قال : اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم ، اللهم طلبي للجنة بطيء ، وهربي من النار ضعيف ، اللهم اجعل لي عندك هدى ترده إليّ يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد . ذكر جوده وكرمه : عن ابن كعب بن مالك قال : كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه ، حتى أدّان دينا أغلق ماله . فكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكلم غرماءه أن يضعوا له شيئا ففعل فلم يضعوا له شيئا . فدعاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمائه ، فقام معاذ لا مال له . قال الشيخ رحمه اللّه : كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا له شيئا . ذكر ثناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على معاذ ومشيه معه وهو راكب : عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل » ( رواه الإمام أحمد ) « 1 » . وعن عاصم بن حميد ، عن معاذ بن جبل قال : لما بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوصيه ، ومعاذ راكب ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمشي تحت راحلته . فلما فرغ قال : يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري . فبكى معاذ خشعا لفراق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال : إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي برقم 3794 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5 / 235 .