ابن الجوزي
206
صفة الصفوة
وعن عمر بن الخطاب قال : نظر النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب « 1 » كبش قد تنطّق به ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور اللّه قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغدوانه بأطيب الطعام والشراب ، فدعاه حبّ اللّه ورسوله إلى ما ترون . وعن محمد بن شرحبيل قال : حمل مصعب اللواء يوم أحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب ، فأقبل ابن قميئة فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ سورة آل عمران آية : 144 ] . وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضربها فقطعها ، فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول : « وما محمد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل » ، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه . وكان مصعب رقيق البشرة ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، قيل : وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئا . وقال ابن سعد : وقال عبد اللّه بن الفضل : قتل مصعب وأخذ اللواء ملك في صورته ، فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول له في آخر النهار : تقدم يا مصعب . فالتفت إليه الملك وقال : لست بمصعب فعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه ملك أيّد به . وعن عبيد بن عمير قال : لما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أحد مر على مصعب بن عمير مقتولا على طريقه فقرأ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ سورة الأحزاب آية : 23 ] الآية . وعن خبّاب ، قال : هاجرنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نبتغي وجه اللّه ، فوجب أجرنا على اللّه عزّ وجل . فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم نجد له شيئا نكفنه فيه إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه . فأمرنا رسول صلّى اللّه عليه وسلم أن نغطي بها رأسه ونجعل على رأسه إذخرا « 2 » . ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها . أخرجاه في الصحيحين « 3 » .
--> ( 1 ) الإهاب : الجلد ما لم يدبغ . ( 2 ) نبات طيب الرائحة . ( 3 ) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود في باب الجنائز .