ابن الجوزي

169

صفة الصفوة

كلمات منتخبة من كلامه ومواعظه عليه السلام عن عبد خير « 1 » عن علي عليه السلام قال : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك ، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين : رجل أذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبة ، أو رجل يسارع في الخيرات . ولا يقلّ عمل في تقوى وكيف يقل ما يتقبّل . وعن مهاجر بن عمير قال : قال علي بن أبي طالب : « إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل : فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة ، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل » . وعن رجل من بني شيبان أن علي بن أبي طالب عليه السلام خطب فقال : « الحمد للّه ، أحمده وأستعينه ، وأؤمن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليزيح به علتكم ، وليوقظ به غفلتكم ، واعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت ، وموقفون على أعمالكم ومجزّيون بها ، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا فإنها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال وهي بين أهلها دول وسجال ، ولا تدوم أهوالها ، ولن يسلم من شرها نزّالها ، بينا أهلها منها في رخاء وسرور ، إذا هم منها في بلاء وغرور ، أحوال مختلفة ، وتارات متصرفة ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لا يدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ، وتقصمهم بحمامها ، وكلّ حتفه فيها مقدور وحظّه فيها موفور . واعلموا عباد اللّه أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشد منكم بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أموالهم هامدة من بعد نقلتهم ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ،

--> ( 1 ) هو أبو عمارة عبد خير بن يزيد ، أدرك زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولم يسمع منه ، ثقة مأمون .