ابن الجوزي

166

صفة الصفوة

هذا جناي وخياره فيه * وكلّ جان يده إلى فيه يا ابن التياح عليّ بأشياخ الكوفة . قال : فنودي في الناس ، فأعطى جميع ما في بيت المال وهو يقول : يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري . ها ، وها ، حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم . ثم أمر بنضحه ، وصلّى فيه ركعتين ( رواه أحمد ) . وعن أبي صالح قال : قال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن ضمرة : صف لي عليا . فقال : أو تعفيني ؟ قال : بل صفه . قال : أو تعفيني ؟ قال : لا أعفيك . قال أما إذا فإنه واللّه كان بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وينطق بالحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان واللّه غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب « 1 » ، كان واللّه كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن واللّه مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ، ولا نبتديه لعظمه . فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . وأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه وغارب نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، وكأني أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا أبي تعرّضت أم لي تشوّفت ؟ هيهات هيهات غرّي غيري ، قد بتتّك « 2 » ثلاثا لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كبير . آه من قلّة الزاد وبعد السفر ، ووحشة الطريق . قال فذرفت دموع معاوية رضي اللّه عنه حتى خرّت على لحيته فما يملكها ، وهو ينشفها بكمه ، وقد اختنق القوم بالبكاء . ثم قال معاوية : رحم اللّه أبا الحسن ، كان واللّه كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار قال : حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ « 3 » عبرتها ، ولا يسكن حزنها .

--> ( 1 ) أي ما غلظ من الطعام . ( 2 ) البت هو القطع ، والانبتات الانقطاع ، ويقال : لا أفعله بتة ولا أفعله البتة لكل أمر لا رجعة فيه ( انظر مختار الصحاح ص 39 ) . ( 3 ) رقأ الدمع والدم أي سكن .