ابن الجوزي
147
صفة الصفوة
للفطم « 1 » . قال : وكم له ؟ قالت : كذا وكذا شهرا . قال : ويحك لا تعجليه ، فصلّى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء فلما سلّم قال : يا بؤسا لعمر ، كم قتل من أولاد المسلمين . ثم أمر مناديا فنادى أن لا تعجلوا صبيانكم على الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام . وكتب بذلك إلى الآفاق أن يفرض لكل مولود في الإسلام . وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال : كان عمر يصوم الدهر وكان زمان الرمادة « 2 » إذا أمسى أتى بخبز قد ثرد « 3 » في الزيت إلى أن نحروا يوما من الأيام جزورا فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها فأتي به فإذا قدر من سنام ومن كبد فقال : أنّى هذا ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم قال : بخ بخ « 4 » بئس الوالي أنا إن أكلت أطيبها وأطعمت الناس كراديسها « 5 » . ارفع هذه الجفنة ، هات لنا غير هذا الطعام . فأتى بخبز وزيت فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز ثم قال : ويحك يا يرفأ ارفع هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ « 6 » فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام وأحسبهم مقفرين « 7 » فضعها بين أيديهم . ذكر زهده رضي اللّه عنه عن الحسن ، قال : خطب عمر الناس وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة . وعن أنس قال : كان بين كتفي عمر ثلاث رقاع . وعن مصعب بن سعد قال : قالت حفصة لعمر : يا أمير المؤمنين اكتسيت ثوبا
--> ( 1 ) فطام الصبي : فصاله عن أمه ، يقال : فطمت الأم ولدها ( بالكسر ) فطاما فهو فطيم ( انظر مختار الصحاح ص 507 ) ( 2 ) زمان الرمادة : كانت سنة جدب وقحط ، وكانت في زمن عمر بن الخطاب . ( 3 ) ثرد الخبز أي كسره ، ( انظر مختار الصحاح ص 83 ) . ( 4 ) بوزن بل ، كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة فيقال : بخ بخ ، ( انظر مختار الصحاح ص 42 ) ( 5 ) جمع كردوس وهي رؤوس العظام . ( 6 ) ثمغ : هو موضع تلقاء المدينة المنورة . ( 7 ) يقال : أقفر الرجل أي لم يبق عنده أدم ، وفي الحديث « ما أقفر بيت فيه خل » والأدم والإدام ، ما يؤتدم به تقول : منه أدم الخبز باللحم من باب ضرب .