ابن الجوزي
140
صفة الصفوة
تَذَكَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ إلى آخر الآية فوقع الإسلام في قلبي . وعن أنس بن مالك ، قال : خرج عمر متقلدا بالسيف فوجده رجل من بني زهرة فقال : أين تعمد يا عمر ؟ قال : أريد أن اقتل محمدا . قال : وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا ؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه . قال : أفلا أدلك على العجب ؟ يا عمر إن أختك وختنك « 1 » قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه فمشى عمر ذامرا « 2 » حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خبّاب فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت . فدخل عليهما فقال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم ؟ قال : وكانوا يقرءون « طه » فقالا : ما عدا حديثا تحدثناه بيننا قال : فلعلكما قد صبوتما فقال له ختنه : أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئا شديدا فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمي وجهها ، فقالت وهي غضبي : أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه . فلما يئس عمر قال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته : إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضّأ ثم أخذ الكتاب فقرأ « طه » حتى انتهى إلى قوله إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ سورة طه - الآية : 14 ] . فقال عمر : دلوني على محمد . فلما سمع خبّاب قول عمر خرج من البيت فقال : أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لك ليلة الخميس « اللهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام « 3 » » قال : ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار . قال : وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رأى حمزة وجل الناس من عمر قال حمزة : نعم هذا عمر ، فإن يرد
--> ( 1 ) الختن : كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ وهم الأختان هكذا عند العرب ، وأما العامة فختن الرجل عندهم زوج ابنته . ( انظر مختار الصحاح للرازي ص 196 ) . ( 2 ) ذامرا : متهددا . ( 3 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ، وكذلك أخرجه أحمد والحاكم والترمذي .