ابن الجوزي
136
صفة الصفوة
القويّ حتى آخذ منه الحق ، أيها الناس إنما أنا متّبع ولست بمبتدع ، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوّموني » . وعن الحسن قال : لما بويع أبو بكر قام خطيبا ، فلا واللّه ما خطب خطبته أحد بعد ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد ، فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره ، واللّه لوددت أن بعضكم كفانيه ، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم مثل عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم أقم به . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبدا أكرمه اللّه بالوحي وعصمه به ، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني « 1 » فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوّموني واعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم . وعن يحيى « 2 » أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه كان يقول في خطبته « أين الوضاء « 3 » الحسنة وجوههم المعجبون بشأنهم ؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان ؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور ، ألوحا ألوحا « 4 » ، النجاء النجاء » . وعن عبد اللّه بن عكيم قال : خطبنا أبو بكر فقال : « أما بعد : فإني أوصيكم بتقوى اللّه وأن تثنوا عليه بما هو أهله ، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة . إن اللّه أثنى على زكريا وأهل بيته فقال : إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [ سورة الأنبياء - آية : 90 ] اعلموا عباد اللّه أن اللّه قد ارتهن بحقه أنفسكم ، وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي ، وهذا كتاب اللّه فيكم لا تفنى عجائبه ، ولا يطفأ نوره ، فصدقوا قوله وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه
--> ( 1 ) فراعوني : أي راقبوني . ( 2 ) يحيى بن أبي كثير . ( 3 ) الوضاء : مفردها وضيء من الوضاءة وهي الحسن والنظافة . ( 4 ) الوحا : أي السرعة ، يمد ويقصر ، ويقال : الوحا الوحا : البدار البدار ( انظر مختار الصحاح ص 712 ) .