عماد الدين الكاتب الأصبهاني
544
خريدة القصر وجريدة العصر
يصير نده ، أنفة من جنابه أن يطرق ، وغيرة على حجابه أن يخرق ، فإذا رأى فيه هرا ، أوجف إليه مكفهرا ، فدافعه بالساعد الأشد ، ونازعه منازعة الخصم الألد ، فإذا أطال مفاوضته ، وأدام مراوضته ، أبرز برثنه لمبادرته ، وجوشنه لمصادرته ، ثم تسلّل إليه لواذا ، واستحوذ عليه استحواذا ، فشد عليه شدّة ، وضمّه من غير مودّة ، فأطار وبره نسالا ، وأرسل دمه إرسالا ، بأنياب عصل ، أمضى من النصل ، ومخلب كمنقار الصقر ، درب للاقتناص والعقر « 1 » ، ففر قرنه ممزق الإهاب ، مستبصرا في الذهاب ، قد أفلت من بين أظفار وناب ، ورضي من الغنيمة بالإياب ، هذا وهو يخاتله دون جنّة ، ويقابله بلا سيوف ولا أسنة ، وإنما جنّته ، منّته ، وشفاره ، أظفاره ، وسنانه ، أسنانه ، إذا سمعت الفأر منه مغاء ، لم تستطع له إصغاء ، وتصدّعت قلوبها من الحذر ، وتفرقت شذر مذر ، تهجع العيون وهو ساهر ، وتستثير الشخوص وهو ظاهر ، يسري من عينيه بنيرين وضاحين ، تخالهما في الإظلام مصباحين ، يسوف الأركان ، ويطوف في كل مكان ، ويحكي في ضجعته السّوار تحنّيا ، وقضيب الخيزران تثنيا ، يغط إذا نام ، ويتمطى إذا قام ، لا يكون للنار مستدفئا ، ولا للقدر مكفئا ، ( ولا في الرماد مضطجعا ، ولا للجار منتجعا ) « 2 » بل يدبر بكيده ، ويقتصر على صيده ، قد تمرد مقتل الأحناش والخشاش ، وافترس الطير في المسارح والأعشاش ، فيستقبل بمشمّه ، ويجعل الاستدلال أكبر همّه ، ثم يكمن للفأر حيث يجد لها عيثا ، أو يسمع لها عوثا ، أو يلمح « 3 » منها ريثا ، فيلصق بالأرض ، وينطوي بعضه في بعض ، حتى يستوي منه الطول والعرض ، فإذا تشوفت الفأر في جحرها ، وأشرفت بنحرها وصدرها ، دب إليها دبيب الصل ، وامتد نحوها امتداد الظل ، ثم وثب في الحين عليها ، وجلب الحين إليها ، فأثخنها جراحا ، ولم يعطها براحا ، فصاحت من شدة أسره ، وقوّة كسره ، وكلما كانت صيحتها أمد ، كانت قبضته عليها أشد ، حتى يستأصل أوداجها فريا ، وعظامها بريا ، ثم يدعها محرجة الذماء ، مضرجة
--> ( 1 ) ق : فقر ؟ ( 2 ) [ ما بين القوسين موجود في الأصل ، وأغفله المحقق ] . ( 3 ) [ في الأصل : يلج ] .