عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 2

خريدة القصر وجريدة العصر

اعترى القطر التونسي مثل هذه الأعاصير الهوجاء مرتين على الأقل في خلال تاريخه الإسلامي . أمّا الأولى فكانت نتيجة لزحفة قبائل الأعراب من بني هلال وبني سليم في أواسط القرن الخامس للهجرة ، والثانية كانت في آخر مدّة بني حفص في القرن العاشر للهجرة ، حينما اغتصب الإفرنج من الإسبان سواحل إفريقية الشمالية ، وفرضوا عليها هيمنتهم الغاشمة ، وقد نازعهم الأتراك السيطرة عليها طيلة نصف قرن كانت البلاد في أثنائها بين النّاب والظّفر . وفي كلّ من هاتين النّوبتين - أو النّائبتين - اختلّ النّظام الاجتماعي ، وانهارت قواعده ، وفارق البلاد القادرون من أبنائها ، وتقلّص ظلّ العلوم والآداب والفنون ، وظلّت تتخبّط بين مخالب الفقر وبراثن الجهالة ومصائب التشريد . ومن الاتّفاق الغريب أن تتشابه الفترتان على بعد ما بينهما من السنين ، وقد دامت كلّ منهما طيلة مائة وخمسين سنة بدون هوادة ولا انقطاع . وبالرغم من تجدّد تلك الكوارث المحزنة التي غيّرت وجه الأديم التونسي ، وقضت على جماله النضير ، لم تخل البلاد في الواقع من أثر للحركة الأدبية ، إذ ظهر في غضونها شعراء فحول ، فارقوا منازلهم ونزحوا إلى المهجر ، فنطقت قرائحهم في الغربة بما تكنّه صدورهم المكلومة من أحاسيس رقيقة ، ومشاعر فياضة بالشوق المبرّح إلى رؤية الأوطان ، والتأوّه على خلاء الديار ، وخراب المعالم ومفارقة الأحباب : على العدوة القصوى وإن عفت الدار * سلام غريب لا يئوب فيزدار وحقّ بكاء العين والقلب مسعر * لمن بات مثلي لا حبيب ولا جار شفى اللّه داء القيروانين بعدنا * فقد مرضت للقيروانين أبصار وكيف غناء الطير في غير أيكها * وقد بعدت عنها فراخ وأوكار ألا يا بروقا لحن من نحو صبرة * وليس لها إلّا دموعي أمطار عسى فيك من ماء الحبيبات شربة * ولو مثل ما يوعى من الماء منقار