عماد الدين الكاتب الأصبهاني
51
خريدة القصر وجريدة العصر
ولما زفّ المولى هدىّ « 1 » هداياه إلى كفؤها الكافي عنده صفّ إماءها « 2 » أمامها على مثالها ، فيا له غرسا ما تمّ به إلا للمتحرّش الحاسد مأتم ، وأنسا ما تمّ منه إلا للمستوحش الجاحد مأثم . وقد غنى بالغانية عن وصف وصائفها ولها ولها « 3 » ، وعنى بمعانيها الرائقة الرائعة ولم ينظر لنضارها شبها شبها ، وإذ « 4 » أفردها فضلها على فرائد فضلاء المشرقين والمغربين أبصر « 5 » وسمع لساني « 6 » العرب والعجم بتفضيل جميلها على تفصيل جملتهما معجمين معربين . وأمّا المغاربة فعلى مشارع المشارقة مغار « 7 » حبلها ، ومن مشاربها معار خيلها ، ومن مغانمها مغارمها ، ومن صرائمها « 8 » صوارمها ، وحسبها أنّ الغزالة الراتعة في رياض الفلك ، الكارعة في حياض الملك ، إذا وصلت إلى وردها تورّدت بالشّفق ، واصفرّت للفراق من الفرق ، وأصابت عينها عين العين الحامية « 9 » ، وعانقتها يد العنقاء المغرب « 10 » العادية ، ووقعت في قبضة طفل الطّفل « 11 » كالعصفور ، وقضت هنالك نحبها ومعادها من المشرق غداة يوم النّشور . إنّ اللّه يأتي بالشمس من المشرق حجّة بالغة ومحجّة واضحة للمحقّ المحقّق ، فإن تعلّق المغربيون بأذيال أسمال « 12 » الأنوار آخرا ، فالمشرقيون اجتابوا حللها القشب أوّلا ، وإن تسلقوا على أسوار أسآرها « 13 »
--> ( 1 ) الهدى : العروس . ( 2 ) في الأصل : آماها . ( 3 ) الوله : الغرام ، ولها من اللهو . ( 4 ) في الأصل : وإذا . ( 5 ) في الأصل : وأبصر . ( 6 ) لساني العرب والعجم : لغتهما . ( 7 ) مغار الحبل : وثيقه ومحكمه . ( 8 ) الصرائم : جمع صريمة وهي العزيمة . ( 9 ) يشير إلى قوله عز وجل في القرآن الكريم أثناء الحديث عن ذي القرنين « حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة » . ( 10 ) العنقاء المغرب أو عنقاء مغرب : طائر عظيم الجسم يرد ذكره في القصص العربي ، وهو طائر خرافي يقولون إنه يعدو ، ويغرق في العدو . ( 11 ) الطفل : آخر وقت العشى عند الغروب . ( 12 ) الأسمال : الثياب البالية . ( 13 ) الأسئار : جمع سؤر ، وهو البقية من الماء وغيره .