عماد الدين الكاتب الأصبهاني

5

خريدة القصر وجريدة العصر

والظنّ المخمّر « 1 » بالدين ، واليقين المؤزّر بالصدق المبين ، والحق المتين ، والبلاغة التي لم يبلغ إلى شأوها قسّ « 2 » والرأي الذي لم يهتد إلى سننه قيس « 3 » ، والبراعة التي نسخت شريعتها بالإعجاز شرائع الفصحاء ، وبذخت « 4 » صنعتها بالإحراز لبدائع البلغاء . وهو الذي راش نبل « 5 » نبلى ، وأعاش شخص فضلى ، وأقام جاه أملى بعد الخمول ، وأنام عين وجلى عند الذهول ، وثبّت عرش حفظي ، ونبّت غرس حظى ، ونشرنى وقد كاد يطوى اسمى ، وأنشرنى « 6 » وقد كرب يبلى رسمي ، ورغّبنى في قصد مصر عند توجه مولانا الملك الناصر من دمشق إليها عائدا ، وحقّق عندي أنه يكون لي مساعفا مساعدا ، فسرت في أول شهر ربيع الأول من دمشق في الخدمة الناصرية ، ووصلت آخر الشهر إلى القاهرة الصلاحية ، فقابل وفادتي « 7 » بوافر رفادته « 8 » ، وموافاتى بوافى إفادته ، ونوّه بذكرى ، ونبّه على قدرى ، ونظم أمرى ، واغتنم شكري ، وخفّف ثقلي ، ورادف نهلى وعلى « 9 » . وحين ملكت مادّة برّه ، سلكت جادّة شكره ، وصار حمدى الحرّ له مسترقّا ، ونفسي المستعبدة لآمالها بنجح آماله قد صادفت عتقا .

--> ( 1 ) المخمر : المستور . ( 2 ) يريد قس بن ساعدة الأيادي خطيب عكاظ في الجاهلية ، وهو يشتهر بالحكمة والبلاغة . ( 3 ) يريد أبا على قيس بن عاصم المنقري التميمي ، وكان سيدا في قبيلته ، ولحق الإسلام وصحب الرسول في حياته وعاش بعده زمانا ، وكان يشتهر بالخطابة وحصافة الرأي ، ويروى عن الأحنف زعيم تميم في البصرة أثناء العصر الأموي أنه قال : ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم . ( 4 ) بذخت : سمت وشرفت ومنه بناء باذح أي عال مغرق في العلو . ( 5 ) راش النبل : ألصق به الريش ليدفعه في الحرب . ( 6 ) أنشرنى : أحياني . ( 7 ) وفادتي : قدومي وورودى . ( 8 ) رفادته : أصل الرفادة أموال كانت تجمعها قريش في الجاهلية تشترى بها للحجاج طعاما ، ويريد هنا العماد استكمال صورة الرفد للقاضي الفاضل ، وأنه خصص أموالا رفادة للأدباء من مثله . ( 9 ) النهل : الشرب الأول ، والعل بتشديد اللام : الشرب الثاني أو الشرب بعد الشرب .