عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 10
خريدة القصر وجريدة العصر
ذلك فهو أهم مصدر تاريخي وأدبى وصل إلينا عن الشعر المصري حتى القرن السادس الهجري . على أنه ينبغي أن أشير إلى أن العماد في هذه المنتخبات نحّى عامدا كثيرا من الأشعار التي صاغها الشعراء في مديح الخلفاء الفاطميين ، وخاصة تلك التي تبالغ في مديحهم وتضفي عليهم ضفات إلهية . وقد ساق في هذا الجزء عفوا قطعة لأبى الحسن الأخفش في مديح الحافظ الخليفة الفاطمي ، وعلّق عليها بقوله : « قد أفضى به الغلو إلى الكفر الصريح » . ولم يلبث بعد إنشاده لبعض أبياتها أن قال : « واقتصرت على هذه أنموذجا لشركه ، وأخرت الباقي من سلكه » . وكنا نأمل أن لا يقتصر ، وأن لا يؤخر ، حتى تعرف مدى تغلغل النحلة الفاطمية في نفوس الشعراء ، وإلى أي حدّ استجاب لها المصريون . ولعل نزعته السّنّية كان لها أثر في ذلك ، وأيضا فإن صلاح الدين ، سيده ، قضى على الفاطميين فجرى في ركابه ، وأجرى معه في تأليفه إلى نفس الغاية . وإذا تركنا أسلوب العماد في تأليفه لهذا القسم إلى أسلوبه الكتابي الذي يبدو في فواتح التراجم لاحظنا أن العماد يلتزم فيه السجع وفنونا مختلفة من البديع ، نوّه بها صراحة في إحدى رسائله للقاضي الفاضل من هذا الجزء إذ يقول ص 44 : « وهذه الرسالة قد وفّيتها حقا من التجنيس والتّطبيق والتّرصيع والمقابلة والموازنة والتوشيع » . وربما كان التجنيس أهمّ زخرف عنى بإشاعته في نثره ، ومن يقرأ في مستهل هذا الجزء الذي ننشره وفي ترجمة القاضي الفاضل خاصة يستطيع أن يلاحظ إلى أي حد كان العماد يعقّد في سجعه بواسطة الجناس ، وخاصة حين يعمد إلى رد العجز على الصدر ، كما يقولون ، حتى لتتحوّل بعض عباراته إلى ما يشبه الرّقى والتمائم .