عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 18

خريدة القصر وجريدة العصر

الإشارات التي تتخللها في تضاعيفها إشارات منيرة ، تتيح للتاريخ أن يغنى بالشعر ، وللشعر أن يتفتح عما فيه من روح التاريخ . وكيف لا يكون ذلك كذلك ، وقد رأينا أن شعراء هذه الفترة في الحجاز واليمن لم يكونوا شعراء ينسابون مع الحوادث وينساقون بها ؛ وإنما كانوا - أو كثرة منهم - متصلين بهذه الحوادث ، مشاركين فيها ، مغمورين بتياراتها ، يصنعونها على النحو الذي يصنعون به شعرهم . . بل لعلهم كانوا يصنعونها أولا ثم يصنعون شعرهم استجابة لها وتعقيبا عليها . . إنهم ، هؤلاء الشعراء ، ليسوا أدباء منشدين ، يقولون الشعر مقتصرين على الجانب الأدبي ، وإنما هم يتجاوزون ذلك ، ليتصلوا بالأحداث التاريخية ، أو ليكونوا جزءا منها . . إنهم شعراء وأمراء ، وولاة وقضاة ، ومؤسسو دولة ، ودعاة مذاهب ، ومروّجو نحل . . إنّ لهم خصوماتهم فيما بينهم وبين أتباعهم ، وفيما بينهم وبين أعدائهم ، وفيما بينهم وبين الخلافة في بغداد أو القاهرة . . وشعرهم تعبير عن ذلك كله ، وتصوير لذلك كله ، فلا بدّ في جلاء هذا الشعر من هذا التاريخ . إن التاريخ ماثل في كل صفحة تقريبا في هذا الجزء . . ماثل في إشارات العماد حينا ، وماثل في المختارات الشعرية أحيانا ، تستحضره وتلتفت إليه وتعيش عليه . والحق ، أني قصدت كذلك من هذه التمهيدات التاريخية إلى شيء آخر . . قصدت إلى التخفيف من الإحالة على الهوامش ، وإلى التخلص من تكرارها ، أو من تكرار بعض ما فيها ، ومن تباعدها ، وتشابك بعضها ، وانقطاع ما بينها ، وإحالة بعضها على بعض . . فكان التمهيد التاريخي ينتظم الأحداث ، ويعرضها في تتابعها وارتباطها ، حتى يكون الشعر في مكانه منها . وقد تمنيت لو أني أظهرت هذه التمهيدات هذا المظهر دائما ، ولكن ذلك