عماد الدين الكاتب الأصبهاني
362
خريدة القصر وجريدة العصر
ومبيت « 1 » عمله ، ومنبت أمله ، ومغنى غناه ، ومبنى مناه ، وأرض رضاه ، وروض هواه ، ووطن وطره ، وحظيرة حضره ، وبقعة شاته ، ورقعة شاهه ، وتلعة نجاته ، وقلعة جاهه ، وهو في مارستانها متولّ ، وعلى حفظ الأوقاف مستول ، وله شقشقة في الأدب تهدر فصاحة ، وحملقة في النظر للعجب يسمّيها حسّاده حماقة ، قد وفّر اللّه حظّه من النطق فما يرى السكوت ، ويستلذّ بالاستكثار من الكلام ومواصلته ولو هجر القوت ، إذا حضر ناديا لم يرض إلّا بأن يتفرّد بالقول « 2 » ، وغيره مستمع ، ويترفّع بالفضل والكلّ متّضع ، لا جرم ترشقه سهام الإيذاء ، وتطرقه قوارص الظّرفاء ، لقد كان في أمان من الطّيش ، وضمان من طيب العيش ، وفراغ ورفاغة ، وبلغة من بلاغة ، ورفاهية بغير كراهية ، ونعمة لقدر فضله مضاهية ، وبضائع نافقة ، وذرائع موافقة ، ونقود رائجة « 3 » ، وعقود متناسقة ، ذلك والصّدر الوزير « 4 » جمال الدين « 5 » بالموصل في صدر وزارته مشرق الجمال ، متألّق الإقبال ، فائض السّجال ، مستفيض النّوال ، غامر أولي الفضل بالإفضال ، وهم في ظلّه يقيلون ، وإلى نيله يميلون ، وبطوله يطولون ، وبصوله يصولون ، وإلى فيضه يوفضون ، وفي روضه يرتاضون ، ولنداه ينادون ، ولجداه يجتدون ، وبنجمه يهتدون ، ولهديه يستهدون ، وعلم العلم في العلم عنده عال ، وسعر الشعر في سوق الرجاء رائج غال ، فلمّا نكب الوزير ، نضب الغدير ، وفاض الجهل وباض الجور ، وغاض الماء وقضي الأمر ، وانهدّ جوديّ الجود ، وذوى عود الوعود ، وابتليت بالحزن النّهى ، وبالحزن اللّهى ، وصين العرض وبذل العرض ، وقصر الطّول وضاق العرض ، وحال
--> ( 1 ) في « ب » : وبيت . وليس في « ك » حرف العطف . ( 2 ) في « ب » : بالكلام . ( 3 ) لعلها في « ب » : رابحة . ( 4 ) لم ترد لفظة الوزير في « ك » . ( 5 ) تقدمت ترجمته في الجزء الأول . انظر الهامش الخماس من الصفحة 102 .