عماد الدين الكاتب الأصبهاني

93

خريدة القصر وجريدة العصر

أرقّ من عبرات الباكين ، وإذا أنشد كانت غرره آنق من درر الناظمين ، وثغور الضاحكين . حضرت ببغداد مجالسه وشهدت محاسنه فألفيته جوهريّ الوقت ، جهوريّ الصوت ، وهو كما قال الحريري : بزواجر وعظه يقرع الأسماع ، وبجواهر لفظه يطبع الأسجاع « 1 » ، وبكلامه يأسو الكلوم ، ويجلو الهموم ، وبنكته ينكت العقول ويبهت الحلوم ، فما رأيت في مجلسه إلّا قلوبا ترقّ ، ودموعا تترقرق ، وجيوبا تشقّق ، ونفوسا تكاد من وجدها تزهق ، وأنفاسا تتصاعد ، وحرقا تتزايد ، وأيديا إلى قابل التّوب ترفع ، وشعورا لقطع الحوب تقطع . قال يوما وقد قصّ شعر شاب ، من التوّاب . شابّ جفا ، قصّ شعره بمقصّ الوفا . وألبسه قميصا كان عليه وقال : من وافق وفّق . فقصّ بقصصه وأشعاره شعورا ، فكأنه بنغماته داود يتلو زبورا . وخرج أعيان أهل « 2 » من ثيابهم إليه ، وخلعوها عليه ، فقلت يجب أن نسمّيه المعرّيّ المعرّي وأنا في حدود خمس عشرة سنة « 3 » وكان ذلك يوم عاشوراء بالمدرسة النظاميّة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ولم أزل إلى آخر سنة إحدى وخمسين ألقاه في محافل الأماثل ، ومجالس الأفاضل ، ولم يزل شحّاذا أخّاذا ، فصّالا « 4 » قوّالا ، نتّاشا حوّاشا ، فاتقا راتقا ، ماهرا حاذقا ، لا يخلو يوما شركه من صيد ، لو رآه الحريريّ لم يذكر أبا زيد « 5 » ، له في كل « 6 » حادث حديث ، وفي كل خطب خطبة ، وفي كل نائب نوبة ، وفي كلّ ملمّ إلمام ، وفي كل جمعة جمع ، وفي كل سبت وقت ، وفي كل ناد نداء ، وفي

--> ( 1 ) في المقامة الأولى « الصنعانية » : « وهو يطبع الاسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه » . ( 2 ) كذا ، ولعلها : أهل المجلس . ( 3 ) في الأصل « ب » : خمسة عشر . ( 4 ) الفصّال : الذي يمدح الناس ليأخذ الجوائز . ( 5 ) بطل المقامة عند الحريري . ( 6 ) ليست ( كل ) في « ب » ، واستدركت من « عود الشباب » .