عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 9

خريدة القصر وجريدة العصر

تقوم الجامعة . ثم أقطع هذه الطريق الطويلة إلى القرويين أسلك إليه طريق باب الفتوح أو طريق البطحاء وأجد في كل وطأة قدم ، على قسوة الشتاء ان كان الشتاء وقسوة الصيف إن كان الصيف ، جديدا أراه أو جديدا أسمعه أو جديدا أحسّ به . وستظل ملء نفسي وروحي كلّ هذه الساعات التي أنفقتها في الطريق . . إنها كانت تعدل الساعات التي أنفقتها في العمل . . ولكني حين كان يغلبني الكسل فأبرم بها أو يدركني الاعياء فأضجّ منها سرعان ما أستدير بها وجهة أخرى ، فأرى فيها نقلة من هذا العالم المعاصر إلى ذاك العالم الأبهر الأبهى الذي كانت فيه فاس الحاضرة العلمية لهذا الجزء كله من إفريقية ، العمل فيه هو عمل أهل فاس ، والوجهة فيه وجهة أهل فاس ، والحجّ العلمي فيه إلى مسجد القرويين بفاس ، وبعض الزيارات المباركة انما تكون إلى أرواح صالحي فاس وأمرائها وملوكها . وقد كانت النسخة التي أعمل عليها نسخة سقيمة . . لم ينفع فيها أني ألفت الخطّ المغربي ، ولم ينفع فيها كذلك أن أكون إلى جانب الأستاذ الفاسي أطلب عونه على ما استبهم عليّ وأشاركه استفتاح ما استغلق من حرف أو كلمة أو بيت . . لم ينفع فيها أني صبرت وصابرت ، وأني أفردت لها الجهد ونذرت لها الوقت وأني قصرت عليها كل ما أملك من ذين . . ذلك أن النسخة كانت شركة بين الأرضة والتلف ، بين العبث والرطوبة ، بين إفساد أولئك الذين حاولوا أن يشدّوا أطرافها العليا ببعض الورق يلصقونه وبين ما فسد على أيدي النساخ . . كانت الأرضة قد عاثت فيها أيّ عيث ، تخترق الصفحة إلى الصفحات والكلمة إلى الكلمات حتى ليخشى المرء أن يحيل الورقة عن مكانها . . كانت النسخة شركة بين هذه المهلكات المزعجات كلها ؛ ومع ذلك فقد كان لا بدّ من العمل عليها .