عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 42
خريدة القصر وجريدة العصر
تحية وإهداء وبعد فأنا أحسّ ، إذ أقدم هذا السفر من خريدة الشام ، بالمدى الزمني بين اليوم الأول الذي قدمت فيه ، في استحياء وجرأة معا الجزء الأول إلى المجمع العلمي العربي وبين هذا اليوم الذي أقدم فيه هذه القطعة . . لقد تغيرت أشياء كثيرة ، ونبتت على فوديّ شعرات بيض ، ودخلت النظّارة حياتي العلمية فيما دخلها من كتب ومصادر وما رافقها من مطالعات وأبحاث . . ولكني أنسى ذلك كلّه . . بل إنه لينقلب عندي مصدر سعادة ثرّة ونبع غبطة دافقة ، حين تخرج هذه الصفحات من جدار مكتبة هادئة ، فتنفض عنها غبار الزمن لتشارك في حركة الحياة الجديدة ولتسهم في صياغتها نوع إسهام ، وحين تتوالد من الصفحة الواحدة آلاف من الصفحات ، وتنقلب المخطوطة الفريدة القائمة على رفّ من مكتبة إلى نسخ متكاثرة تحتل مكانها في كل مكتبة . . إن ذلك هو الذي يحيل الجهد الذي يستنزف المرء منّا وكأن له في أفواهنا مذاق عسل . . لأنه يدرك أنه أسهم في المعرفة في باب من أبوابها ، وأحيا أثرا كان يوشك أن يزول ، وحفظ تراثا من تراثنا الذي يجسّد ضمائرنا ومثلنا . . وأنه زرع في هذه الأرض التي تعدو عليها العاديات نبتة تقف للعاصفة ، وتثبت الأرض المنجرفة ، ويصيب من طلعها الجاهدون . لقد عرفت هذا القسم في المغرب . . أفلا يكون من الوفاء والغبطة معا أن أقدمه في تحية صادقة إلى المغرب الذي حفظه هذه المئات من السنين . إنه جزء عن دمشق يظفر به دمشقي ذات يوم من أيام حياته في فاس ، ويعمل فيه الأشهر الطوال في قاعة من قاعات القرويين ، ثم يعاود النظر فيه هنا في دمشق في