عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 11

خريدة القصر وجريدة العصر

وحين كنت أمرّ ب « الدوح » كان بيت الأستاذ التقي العلوي على يميني منحدرا وعلى يساري مصعدا . . كنت أحسّ كأنّ كل هذا العالم في بيوت فاس ووراء جدرانها ذات الأسوار العالية ، ومن وراء هذه الشبابيك المتسربة من أعماق البيوت المطلة على الأزقة كأنها عين ترى أو أذن تسمع - كان كل هذا العالم يجتذبني . . كنت أسمع فيه أصوات علماء وشعراء ومنشدين ومغنين وذاكرين ومكبرين . . وكان تتراقص لعيني فيه ملامح شباب وصبايا وشيوخ وعلماء ومتصوفة وعبّاد ومتهجّدة . . وما كنت أدري أنّ على رفّ في جدار من هذه الجدر ، في بيت الأستاذ العلوي ، نسخة من الخريدة سيكون لها في هذا شأن . ودخلت منزل الأستاذ التقي العلوي يقودني تهذيب بالغ لا أملك أن أصفه ، ووداعة وادعة لا تقع عليها إلا في النادر ، وحديث عادي ليس فيه تكلف ، ونفس مطمئنة تشعر وأنت معها للمرة الأولى وكأنك معها تعرفها منذ أمد بعيد . . وهل نحن في المشرق والمغرب إلا أسرة واحدة . . أوراق من شجرة واحدة تمتدّ جذورها في كل هذه الأرض وترتفع أغصانها فوقها . وأمسكت بالكتاب . . كانت عيني معه ترقبه في يد صاحبه وهو ينزل به عن مكانه من الرفّ . . وكان قلبي معه كذلك . . ترى هل تدّخر لي المخطوطات التي أحببتها مفاجأة جديدة ؟ وكانت المفاجأة حين وجدت أن هذا الجزء من الخريدة يتضمن قسم شعراء دمشق الذي كنت عرفته في القرويين أول العام والذي شغلت به خلال العام والذي أيقنت أنه لا سبيل إلى نشره ما لم يكن هناك نسخة أخرى تساعد عليه وتمكّن منه .