عماد الدين الكاتب الأصبهاني
63
خريدة القصر وجريدة العصر
من يضاهيه في الترسل والإنشاء سوى أمين الملك أبي نصر بن أبي حفص - من أهل أصفهان المنشئ في عهد نظام الملك والفضل له لتقدّمه ؛ لكن برز هذا عليه في فنون العلم وحسن الاستعارة في النثر والنظم ؛ وراض في العربية الصّعب فأصحب ؛ وسلك المذهب المذهب ؛ وأبدع المعنى المذهب ؛ وله معجز البلاغة المعجب ؛ ومعرب الفصاحة المغرب . وشعره عبر الشعرى ؛ علوّ عبارة ؛ وسموّ استعارة ؛ وسموق راية وشروق آية ؛ وتناسق مقصد وغاية ؛ وتناسب بداية ونهاية . وأما نثره فنثرة الدّراري ؛ ونثر الدّرر ومنثور الزهر . وأمّا خلائقه فمفطورة على الكرم ؛ موفورة بحسن الشّيم ؛ متأرّجة بعرف العرف ؛ متوّجة بماء اللّطف ؛ متبّلجة بنور الظرف ؛ متوهّجة بنار الحسن ؛ مبهجة بنور اليمن . حدثني الإمام محمد بن الهيثم بأصفهان عنه ؛ وهو الذي سمعت شعره عنه أنّه كشف بذكائه سرّ الكيمياء المرموز ؛ وعدم من عروس صنعته النشوز « 1 » ؛ واستخرج من معمّاه الكنوز . ولم تزل مدّة حياته مصدّرا في الدّسوت موفرا بالنّعوت ؛ حليفا بل جليسا بل أنيسا للسّلاطين والملوك ؛ محبّرا بنظمه ونثره الموشي المحوك . فلمّا انتهت الأيام الغياثية المحمّدية ؛ واستوفت مدّتها ؛ استأنفت الدّولة المعينية المحمودية جدّتها . واستقرّ الشهاب أسعد في مكانه ؛ وانتهت في منصب ديوانه . وكان السّلطان مسعود بن محمد حينئذ ملكا صغيرا ؛ فاستوزر أبا إسماعيل فروّض به روض ملكه المحيل ؛ وأصبح بالمؤيد مؤيدا ؛ وبسداده مسدّدا حتّى اتفقت بينه وبين أخيه السّلطان محمود الحرب التي أودعت أهل الفضل الحرب ؛ وفلّت العلم والأدب . ولمّا مسّ عود مسعود العجم انكسر وأحجم مقدم جيوشه جوشبك ؛ فألقى قناع الهزيمة فانحسر ؛ وأدرك الأستاذ رحمه اللّه فأسر ؛ وطغى رأي الطغرائي في حقّه ؛ فسعى في حتفه ؛ خوفا على منصبه ؛ فاحتال في نصبه ؛ وأعطى الرّضى بعطبه وفتك به وقت أسره بل قدّم قسرا ؛ وقتل صبرا ؛ قبل أن ينبّه بقدره ؛ وينوّه بأمره ؛ وآزر الطغرائي الوزير ؛ وعانده التقدير ؛ ففاز بالشهادة ؛ وختم له بالسّعادة وذلك في سنة خمس عشرة وخمس مائة . فهذا من جملة من قتله فضله ؛ ورماه بنبل الهلك نبله وألحقه رداء الرّدى علمه . وسامه الأدب فهان
--> ( 1 ) . ما بين الفارزتين أخذ من عود الشباب ، الورقة 69 ظ . لأن الأصل غير واضح .