عماد الدين الكاتب الأصبهاني

44

خريدة القصر وجريدة العصر

صدور المملكة جهّالا يحسدون العزيز لعلمه ؛ فدقوا بينهم عطر منشم « 1 » ؛ وتتبّعوا بكلّ قول منمنم ؛ وكان السّلطان قريب عهد بالصّبا ؛ يميل لأدنى نفحة من الصّبا ؛ ونكّب الوزير مرارا لأجل عمّي وصادره ؛ ثمّ أعاده وصدّره ؛ وبذل بالآخرة القوام الوزير فيه ألف ألف دينار عينا ؛ فحبسه السّلطان بقلعة تكريت ؛ ريثما يستخرج المال من الوزير المقيت . فما مضت أشهر حتّى أطعم محمود ؛ ونضّد عليه الجلمود ؛ وأجلس الوزير طغرلا أخاه ؛ وسعى « 2 » في حتف العزيز ورداه وصلب بعد استشهاد العزيز بأربعين يوما بأمر طغرل سلطانه ؛ وأذن الدّهر بإطفاء نيرانه . أنشدني « 3 » بعض المعارف أنّه دخل إلى العزيز وهو معتقل فسمعه ينشد : بليت بقوم ما لهم في العلايد * ولا قدم تسعي لبذل الصّنائع إذا نظرت عيني إليهم تنجّست « 4 » * برؤيتهم ؛ طهّرتها بالمدامع وسمعت آخر يقول : سمعت عمّك العزيز ينشد : بقية شلو كسّر البين عظمه * ومزّق جلدا كان أيسر ما بقي مقيم فلا تلك الخوافي تطيعه * نهوضا ولا تلك القوادم ترتقي وأنشدني غير واحد من الأماثل قال : أنشدني الحافظ الغرناطي « 5 » لعزيز الدين وذكر أنه كتب إلى بعض الفضلاء : يا أخا الفضل لم تأخّرت عنّا * فأسأنا بحسن عهدك ظنّا كم تمنّيت لي صديقا صدوقا * فإذا أنت ذلك المتمنّى فبغصن الشّباب لمّا تثنّى * وبعهد الصّبا وإن بان عنّا كن جوابي لئن « 6 » تردّ شبابي * لا تقل للرسول كان وكنّا

--> ( 1 ) . عجز بيت : لزهير بن أبي سلمى وأوّله : تداركتما عبسا وذبيان بعد ما تفانوا . . . . ، وله قصة معروفة في الجاهلية . انظر ديوان زهير ص 24 . ( 2 ) . في الأصل : سقى حتفه . ( 3 ) . في بداية اللّفظة جاء الناسخ باسم الصدر الشهيد ؛ ثم وضع إشارة ( - ) إلى الأعلى ؛ ويعني أن العنوان والاسم المكرّر يوضع في أول الكلام . ( 4 ) . في نسخة : تجنّبت . . ( 5 ) . في الأصل ، ن : القرناطي . ( 6 ) . في نسخة : لمن . .