عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة الشارح ط

خريدة القصر وجريدة العصر

سماء الشعر في عصرها ببغداد . وعرض بين الشعراء أمراء من العرب الأقحاح ، ومن الأكراد المستعربين الّذين تديّروا الحلّة السيفيّة المزيديّة والبطيحة وما حولها وكان لهم شأن وسلطان . . تميّزوا بالطبع الشّعريّ ومحبّة الشّعر ، وجاروا مسلك الخلفاء العبّاسيّين ببغداد في قرضه ، لا تصرفهم هموم السّياسة وأعباء الامارة والحروب الّتي خاضوا معمعانها عنه ، فأبرّوا عليهم به ، وزادوا عليهم في احسانه ، بل ارتفعوا به إلى طبقة الشّعراء المجيدين ، لم يقعوا دونهم فيه ، ولا قصّروا عنهم في بلاغة التّعبير والتّصوير . وقد أنتج هؤلاء الشّعراء ، على تباين ملكاتهم ، ألوانا من الشّعر . . كانت كثرتها رائعة وممتعة ، ولم تخل من غثّ قليل ، ومثل هذا القليل فيه مثل الزّؤان في بيادر القمح ، لا يطغى ولا يضير . وجملتها تبدو عليها ظواهر النّشأة والمربى ، وتباين الملكات والطّباع ، ونوازع الأعراق والأخلاق . . وقد شحنت بهموم النّفوس ، وخوالج الصّدور ، وسوانح الأفكار ، ومثلت فيها المحاب والمكاره ، والمواجد والأشواق ، والأفراح والأتراح ، والتصوّن والتّبذّل ، والجدّ والهزل . . كما مثلت فيها أشياء مما كان يضطرب في المجتمع من الأحداث السياسيّة والاجتماعية ، فصوّرها ، ولم يقف منها بمعزل ، وما برحت المجتمعات ينابيع يفيض منها الشعر ، وتغترف منها الشّعراء الّذين يشاركون في الحياة العامّة ويحملون هموم النّاس . . وكما مثّلت هذه النّموذجات ملامح ممّا ذكرت ، مثّلت كذلك الصّور البلاغيّة الّتي أدت هذا كلّه ، ودلّت على أصالة اللغة وقوّتها في ملكات الشّعراء في ذلك العصر ، وعلى قدرتها على تلوين التّعبير وتمثيل المعاني والأخيلة ؛ وكلّ ذلك فيها ، على اختلاف حظوظه من الرّوعة والخصب ، على قدر كبير من المرونة التي تتميّز بها اللغة العربيّة ، والطّواعية الخارقة للتشكّل والجري في مسارات الفكر والحياة .