عماد الدين الكاتب الأصبهاني
130
خريدة القصر وجريدة العصر
وكان ( أبو الحسن بن التلميذ ) يحضر عند ( المقتفي ) « 37 » كلّ أسبوع مرّة ، فيجلسه ، لكبر سنّه . وكانت « دار القوارير » ب « بغداد » مجراة في إقطاعه ، فحلّها الوزير ( يحيى بن هبيرة ) « 38 » في ولايته . فحضر ( أبو الحسن ابن التلميذ ) يوما عند الخليفة على عادته ، فلمّا أراد الانصراف عجز عن القيام ، لضعف الكبر ، فقال له ( المقتفي ) : كبرت يا حكيم . قال : نعم كبرت ، وتكسّرت قواريري ! « 39 » - وهذا مثل يتماجن « 40 » به أهل « بغداد » لمن عجز وبطل - ففطن الخليفة ، وقال : رجل عمّر في خدمتنا ، ما تماجن قطّ بحضرتنا ، ولهذا التماجن سرّ . ثمّ فكّر ساعة ، وسأل عن « دار القوارير » ، فقيل له : قد حلّها الوزير ( ابن هبيرة ) عنه ، وأخذها منه . فأنكر ( المقتفي ) على ذلك إنكارا شديدا ، وردّها إليه ، وزادها إقطاعا آخر . * * * وتوفّي ( هبة اللّه بن صاعد ) في صفر سنة ستّين وخمس مائة « 41 » ، وقد قارب المائة ، وذهنه بحاله .
--> ( 37 ) ترجمته في 1 / 34 من هذا الكتاب ، وفي عيون الأنباء : « المستضىء » خلافا للخريدة ( ب ) ، وإخبار العلماء ، ووفيات الأعيان ، ومعجم الأدباء . ( 38 ) ترجمته في 1 / 96 من هذا الكتاب . ( 39 ) هذا الاصطلاح البغدادي ، ورد أيضا في شعر أبي الحسن علي بن طاهر الخباز الكرخي من شعراء بغداد في المائة الخامسة الهجرية - وستأتي ترجمته في هذا الجزء ، قال : وصاحبت شرّتي بلهنية * تصحب في الغيّ كلّ مغرور هذا ، وما عاقني الزمان ، ولا * تكسّرت في الهوى قواريري ( 40 ) التماجن : التمازح وخلط الجد بالهزل . ( 41 ) وفي معجم الأدباء 19 / 279 : « مات في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ستين وخمس مائة ، وخلف مالا عظيما ، ومتاعا حسنا كثيرا ، وكتبا كثيرة لا نظير لها » .