عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة الشارح 260
خريدة القصر وجريدة العصر
أبو الفرج بن الجوزيّ الواعظ البغداديّ « 1 »
--> ( 1 ) هو الشيخ الإمام الحافظ أحد مفاخر الملة وأساطين الإسلام عبد الرحمن بن علي ابن محمد القرشي التّيميّ البكري البغدادي ، من سلالة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، أبو الفرج ، جمال الدين ، عرف أحد أجداده بالجوزي ، نسبة إلى « مشرعة الجوز » من محالّ بغداد ، وقيل : كانت في داره بواسط جوزة لم يكن فيها جوزة سواها ، وقيل نسب إلى جوزة فرضة من فرض البصرة ، وفرضة النهر ثلمته التي يستقى منها . ولد ببغداد سنة 508 ه أو 510 ه بدرب حبيب . وكان أبوه يعمل الصفر بنهر القلاءين ببغداد ، وأهله تجار في النّحاس ، ولهذا ورد اسمه في بعض السماعات : « عبد الرحمن بن علي الصفار » ، توفي أبوه وله ثلاث سنين ، فنشأ يتيما على العفاف والصلاح . فلما ترعرع ، حملته أمه إلى مسجد الحافظ محمد بن ناصر السلامي محدث العراق ، فاعتنى به ، وأسمعه الحديث . وحفظ القرآن . ولازم من الشيوخ أعلمهم ، ومن أرباب النقل أفهمهم ، وخرج لنفسه مشيخة عن سبعة وثمانين عالما . ووعظ وهو صغير جدا ، فأدهش الناس ، وما زال شأنه يعظم وشهرته تذيع حتى صار الخلفاء والسلاطين والوزراء والعلماء يحضرون مجالس وعظه ، وحزر الموفق عبد اللطيف البغدادي حاضري مجلسه مائة ألف أو يزيدون ، وقال : « كان لطيف الصوت ، حلو الشمائل ، رخيم النغمة ، موزون الحركات والنغمات ، لذيذ المفاكهة » ، وشهد ابن جبير الرحالة الأندلسي بعض مجالسه ، ففتنته بلاغته ، ودهش من عدد الحاضرين ومن افتنانه بوعظه وتصرفه في الكلام ، فأبلغ في اطرائه والثناء عليه . وقد تاب على يده وأسلم في هذه المجالس خلق كثير . وكان لا يضيع من وقته شيئا ، يكتب في اليوم أربع كراريس ، وشارك في كل علم ، وألف في التفسير وعلوم القرآن ، وفي الحديث ورجاله وفنونه ، وفي المذاهب والأصول ، وفي الفقه والعقائد والوعظ والأخلاق والرياضيات ، وفي الطب ، وفي الشعر ، وفي اللغة ، وفي التاريخ والجغرافيا والتراجم العامة والتراجم الخاصة . قال شيخ الإسلام الإمام تقي الدين بن تيمية ، في أجوبته المصرية : « كان الشيخ أبو الفرج كثير التصنيف والتأليف ، وله مصنفات في أمور كثيرة ، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف ، ورأيت بعد ذلك ما لم أره » . ومن هذه المصنفات كتب كبار في أجزاء كالتفسير والتاريخ . وقد تبدد هذا التراث العظيم ، وضاع منه الكثير ، وحفظت الخزائن الشرقية والغربية منه ما حفظت ، وبدأت العناية به في هذا العصر تعظم يوما بعد يوم ، فنشر منه أكثر من ثلاثين كتابا في بغداد وبيروت ودمشق والقاهرة وبومبي وحيدرآباد والأستانة وليدن وليبزك ، وما برح -