عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة الشارح 206
خريدة القصر وجريدة العصر
فإذا آل الأمر إلى الحسنى ، ورقّت الحال عن صبوح الإنعام « 419 » ، أعاروا أذنا صمّاء « 420 » ، وعينا عمياء ، ومجمجوا القول « 421 » ، وغاض الكلام « 422 » ، وعلت الرّحضاء « 423 » ، وذبلت الشّفاه ، ومات المرتجى ، وخاب الرّجاء ، واضمحلّ الأمل ، ووقعت الملاجّة « 424 » ، فاستعملت المراطنة « 425 » . فبقيت مدّة بالوطن في خمار تلك المكافحة « 426 » ، وغمرة تلك المطاولة « 427 » : طورا يدار بي ، وتارة يطار . أخاطب نفسي بما رأت ، وأعاودها ما شاهدت ، وأتفكّر [ هل ] « 428 » كان ما عانيته ؟ وهل حقيقة ما عاينته ؟ وهل أنا قطعت المراحل ، وطويت المنازل ، وحملت الشّدائد ، وشاهدت العجائب ، وخاطبت ملك الزّمان شفاها ، ورأيت وزير العصر عيانا ، وملأت سمعي ترحيبا ، واقتطعت من الصّدر مجلسا رحيبا ؟ فما لي صفر العياب « 429 » ، مع تراخي الإياب ؟ وأنّى يتناسب تقريب وتجنيب ؟ وامتدّ بي هذا الوسواس إلى حدّ قطعني ، يعلم اللّه ، عن المهمّات ، وصدّني عن المفترضات ، وأجلّها : مكاتبة سيّدنا ، حرس اللّه ظلّه ، فإنّي توخّيت لها ذرعا فسيحا « 430 » ، ورأيت الإقدام عليها مع تكدّر القريحة قبيحا .
--> ( 419 ) رقت : الأصل « رققت » . الصبوح : ما يشرب ويؤكل في الصباح ، استعاره للتبكير بالإنعام . ( 420 ) أعاروا : الأصل « أعادوا » . ( 421 ) لم يبيّنوه . ( 422 ) غاض : احتبس ، من قولهم : غاضت الدّرّة ، إذا احتبس لبنها وقلّ . ( 423 ) الرّحضاء : العرق الكثير يغسل الجلد ، وفي حديث الوحي : « فمسح عنه الرحضاء . و - العرق إثر الحمّى ، و - الحمى بعرق . ( 424 ) الملاجّة : التمادي في الخصومة ، الأصل « الملاحة » بالحاء المهملة ، وهو تصحيف . ( 425 ) المراطنة : التخاطب بالرّطانة ، وهي الكلام بالأعجمية ، أو الكلام الذي لا يفهم . ( 426 ) الخمار : ما يصيب شارب الخمر من ألمها وصداعها . ( 427 ) الغمرة : الشدّة . ( 428 ) موضع « هل » بياض في الأصل . ( 429 ) خالي الأوعية . ( 430 ) توخيت : تحريت . ذرعا : في الأصل « درعا » . يقال : « هو واسع الذّرع » ، أي : واسع الخلق .