عماد الدين الكاتب الأصبهاني
54
خريدة القصر وجريدة العصر
وكان هذا ( ابن أفلح « 1 » ) يجتمع بوالدي ، ويقصد نحوه ، ويبثّه شجوه . وتوفّي بعد ذلك بسنتين أو ثلاث « 2 » . وطالعت ما جمع من شعره ، وهو قليل « 3 » ؛ لأنّ الخليفة نفّذ وأخذ من بيته أشعاره كلّها « 4 » . وكتبت منه قصيدتين في مدح عمّي ، فأثبتّهما ، ولم ألغ منهما شيئا . إحداهما
--> ( 1 ) ط : « وكان ابن أفلح » بزيادة « الواو » في أول الجملة وحذف « هذا » . ( 2 ) اختلف المؤرخون في سنة وفاة ابن أفلح ، فتردد المؤلف بين سنة 536 ه وسنة 537 ه ، وقال ابن الأثير : سنة 535 ه ، وهبط بها ابن الجوزي وسبطه وابن كثير إلى سنة 533 ه ، وقال ابن خلكان : « توفي يوم الخميس ثاني شعبان سنة خمس ، وقيل : ست ، وقيل : سبع وثلاثين وخمس مائة ، وعمره أربع وستون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما . » وهذا التحديد لعمر الشاعر ، لا يستقيم للمؤرخ الكبير مع روايته الاختلاف في سنة الوفاة وجهالة يوم الولادة والشهر والسنة . ( 3 ) قال ابن خلكان في ترجمة الشاعر في وفيات الأعيان ( 1 / 261 ) : « رأيت ديوانه في مجلد وسط . وقد جمعه بنفسه ، وعمل له خطبة ، وقفاه ، وذكر عدد ما في كل قافية من بيت ، واعتنى بأمره ، وهذبه . » ثم نقل منه بعض مقطوعاته القصار ، وأورد في ترجمة هبة اللّه بن التلميذ الطبيب ( 2 / 192 ) مراسلة شعريه دارت بينهما على أثر نقهه من مرض ألم به ، وقد نباه عن استعمال الغذاء إلا بأمره . وفي المنتظم ، ومرآة الزمان ، والبداية والنهاية ، مختارات من شعره . ( 4 ) قال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ( 8 / 169 ) : « . . علي بن أفلح البغدادي ، أبو القاسم ، الكاتب البغدادي . كان فاضلا فصيحا ، تقدم عند المسترشد ، ولقبه جمال الملك ، وأعطاه أربع دور في درب الشاكرية ، فاشترى دورا إلى جانبها ، وهدم الكل ، وأنشأها دارا كبيرة ، وأطلق له له الخليفة ما يحتاج اليه من الآلات والخشب وخمس مائة دينار ، ورتب له راتبا ، وغرم على الدار عشرين ألف دينار . وكان طولها ستين ذراعا في أربعين ، وأجراها بالذهب ، وصور فيها فنون الصور ، وكتب على بابها وجوانب أبوابها أشعارا ( وروى بعضها ) . ثم إن المسترشد اطلع عليه ، وإذا به يكاتب « دبيسا » ، فأمر بنقض الدار ، فنقضت ، وهرب إلى تكريت فاستجار ب « بهروز الخادم » ، فأقام عنده مدة ، ثم شفع له ، نعفا الخليفة عنه . » وفصل ابن الجوزي في ( المنتظم ) كيفية انكشاف أمره للخليفة ، وزاد في وصف داره فقال : « فيها الحمام العجيب ، فيه بيت مستراح فيه بيشون ، إن فركه الإنسان يمينا خرج الماء حارا ، وإن فركه شمالا خرج باردا . » وأورد الأشعار المكتوبة على أبواب الدار والطرز والحيري ، ثم قال : « وقد رأيت أنا هذه الدار بعد أن نقضوها . » ثم أورد له أشعارا حسنة من نظمه وكلمات من نثره . قال ابن كثير : « وهذه حكمة اللّه من تقلب الليل والنهار ، وما تجري بمشيئته الأقدار ، وهي حكمته في كل دار بنيت بالأشر والبطر ، وفي كل لباس لبس على التيه والكبر والأشر » .