عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 92

خريدة القصر وجريدة العصر

خريدة أفيه من نتنها * كأنّها من بعض أنفاسه فنصفها الأوّل في ذقنه * ونصفها الآخر في رأسه « 1 » » . ثم جاء ابن العماد الحنبلي المتوفّى سنة 1089 ه ، فروى في « شذرات الذهب » هذا الخبر الذي حكاه الصفدي عن مجهول وصدره بصيغة التمريض « يقال » الدالّة على نكارة الرواية أو ضعفها ، مجرّدا منها « 2 » ، كأنّه حقيقة واقعة قد صدرت فعلا من القاضي الفاضل . والقاضي الفاضل هو من عرفت سموّ نفسه ، ورفعة تهذيبه ، وجلال مقامه في السياسة والأدب ؛ ومن عرفت أيضا شدّة رضاه عن مؤلّف الخريدة وإعجابه بأدبه وتوقيره لشخصه . وهو قد أعان العماد على تأليف القسم المغربي من هذا الكتاب ، فأهدى اليه تسع مجلدات من الكتب النفيسة تشتمل على أشعار أهل عصره من المغربيّين وآدابهم « 3 » . والعماد من جانبه قد أنفق أجزاء غالية من حياته في تحبير الثناء البليغ عليه ، وهو قد صدّر القسم الرابع من الكتاب ، قسم شعراء مصر ، بطائفة ضخمة من هذا الثناء البليغ : من نثر وشعر ، ثم أردفها بترجمته له ، وافتنّ في هذه الترجمة بإطرائه وتعظيمه وتوقيره ، منوّها بأياديه العظيمة عليه ، رافعا قدره فوق أقدار الكتّاب السابقين في هذه الموازنة التي عقدها بينه وبينهم ، ففضله عليهم جميعا ، وشبّه فضله عليهم ب « الشريعة المحمّديّة التي نسخت الشرائع » ! فليس معقولا ، وهذا مدى ما كان بين الرجلين من صلات وثيقة وإعجاب متقابل ، أن يقول القاضي الفاضل - الذي قرأ هذا الثناء العظيم عليه في الكتاب من غير شك - هذه القولة الساقطة غير المهذّبة ، وأن يزدري الكتاب وحشو إهابه ثناء عليه وامتداح له ، أو يحقّر المؤلف وهو صنّاجته وداعيته الذي لا يفتر من مدحه والإشادة بمجده . فلا جرم

--> ( 1 ) الوافي بالوفيات ( 1 / 140 ) . و « رأسه » مخفف « رأسه » . ( 2 ) شذرات الذهب ( 4 / 333 ) . ( 3 ) خريدة القصر : القسم المصري ( 1 / 44 ) .