عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 62
خريدة القصر وجريدة العصر
وقد افتنّ العماد في هذا كله افتنانا عجيبا ، والتزم التعقيد حتى في أسماء كتبه من نحو « خريدة القصر وجريدة العصر » و « نصرة الفترة وعصرة القطرة » و « الفتح القسّي في الفتح القدسي » و « خطفة البارق وعطفة الشارق » وغيرها ، كما كان يصنع معاصروه ومن قبلهم وبعدهم من أدباء التصنّع المغرقين في هذا النهج ، إذ كان مسحورا بهذه الطريقة ، يشيد بها وبأربابها إشادة عظيمة كلما ترجم لأحد أئمتها البارعين كالحريري والحصكفي والقاضي الفاضل . وفي أخذه نفسه باتّباعها وتطبيق منهجها في كتاباته تطبيقا عمليا كاملا في غير رفق ولا هوادة ، الا في القليل منها ، ما يغني عن الإطالة في إيراد الشواهد من أقواله في هذا الباب . وهو قد تأثر هذه الطريقة من إدمان قراءة « مقامات الحريري » منذ فجر نشأته ، وقد كان الشداة المتطلبون لصناعة النثر في عصره مسحورين بهذه المقامات يتدارسونها ويحفظونها ويصوغون على مثالها ؛ لأن الحريري قد بلغ الذروة في كتابتها ، وافتنّ في صياغتها وتجميلها بما لم يفتنّ كاتب بمثله ، فأكب عليها صارفا مدة مهله فيها وهو ينقح فيها اللفظة بعد اللفظة ، ويستشفّها في كل لحظة « 1 » ؛ ثم قدم بها بغداد سنة 504 ه فأخذها عنه البغداديون ، وطفق شيوخ الأدب واللغة من أمثال الإمام ابن الخشاب البغدادي يقرءونها للطلاب ، ولعل هذه المقامات أخذت عنه أكثر من أخذها عن الحريري نفسه ، وله عليها تعليقات غاية في القوة والأصالة وإن ناقشها ابن بري بما ناقشها به . وقد علمنا أن ابن الخشاب كان من شيوخ العماد في الأدب ببغداد « 2 » ، فلا شك أنه قرأ عليه هذه المقامات في جملة ما قرأ من أصول الأدب وفروعه وأخذ عنه تعليقاته عليها هذه ، وعلمنا أيضا من ولع العماد بتدارس هذه المقامات أنه قرأها على ابن الحكيم « 3 » عن الحريري كما قرأها على ابن الحريري « 4 » عن أبيه أيام نيابته عن الوزير ابن هبيرة بالبصرة . فلا جرم أنه تأثر - أول ما تأثر - بأسلوبها وفنّها ،
--> ( 1 ) ابن الخشاب البغدادي : مقدمة تعليقاته على مقامات الحريري . ( 2 ) راجع ص ( 27 ) . ( 3 ) راجع ص ( 29 ) . ( 4 ) راجع ص ( 28 ) .