عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 51

خريدة القصر وجريدة العصر

الزمان ، في حوادث سنة 597 ه ، حكاية ما شاهده في طريقه إلى دمشق من الأضرار التي لحقت الناس والحيوان ، قال : « ولقد رأيت الأرامل على الرمال ، والجمال باركة تحت الأحمال ، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللّقم « 1 » ، تسترق الجياع باللّقم « 2 » » . وما كاد العماد ينجو من الموت في مصر بالجوع أو بالوباء ، ثم من خطف الفرنج الواقفين بطريق المجفلين المنكوبين ، ويبلغ دمشق منهوكا مهدود القوة ، حتى روّعته فيها ، في شعبان ، الزلزلة العظيمة الهائلة التي امتدّت في ساعة واحدة من صعيد مصر إلى أذربيجان ، فخسفت مدن كثيرة ، وهلك بها خلق لا يحصون ، ومنيت منها عامة دور دمشق - الا القليل - بالخراب فهرب الناس إلى الميادين يستغيثون . وكان العماد يومئذ ينوء بالسنين الثماني والسبعين وبالمرض من هول ما شاهد من هذه الكوائن بمصر ودمشق ، فما لبث بعد هذه الزلزلة أن أدركته منيته ، ففارق الحياة كئيبا ممتلثة نفسه من الرعب والجزع مما رأى وسمع وحزينا من فقدانه معارفه الذين كان يألفهم ويألفونه ويجد بعضهم ببعض تأساءه وتعزيته . ذكر القاضي ابن خلكان عن بعض الرؤساء ممن كان ملازمة مدة مرضه أنه كان ، إذا دخل عليه يعوده ، أنشده : أنا ضيف بربعكم * أين أين المضيّف ؟ أنكرتني معارفي * مات من كنت أعرف * * * هذا ما غاب من أخبار العماد - بعد وفاة السلطان صلاح الدين - عن مترجميه جميعا

--> ( 1 ) في مرآة الزمان : « اللهم » ، وقد تحير ناشرها فلم يدر ما هي ، وصوابها ما أثبته ، وهو ( بفتح اللام والقاف وبضم اللام وفتح القاف أيضا ) معظم الطريق أو وسطه . ( 2 ) اللقم : جمع لقمة ، وهي ما يهيأ للقم من الطعام . ومراد العماد أن الفرنج كانوا يتخطفون الناس من الطرقات ويغرونهم من أنفسهم ويغتالونهم بالقليل من الأقوات كما أوضح ذلك ابن كثير في تأريخه ( 13 / 22 ) بعبارته المرسلة .