عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 47
خريدة القصر وجريدة العصر
يذكر فيه التعزية بأبيه والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده ، فأجيب إلى ذلك « 1 » » . قلت : وقد حمل هذا الكتاب والهدايا إلى باب الخليفة ضياء الدين القاسم بن الشهرزوري في أواخر جمادى الآخرة سنة 589 ه ، وكانت وفاة السلطان صلاح الدين سحرة صفر من هذه السنة ، فلا جرم أن الملك الأفضل قد استخدم العماد في الكتابة له في أثناء هذه المدة بين التأريخين . على أن الأحوال التي اكتنفت قصر الملك بدمشق ، لم تكن مواتية لبعث الطمأنينة في نفس العماد على نحو ما كان عليه أيام السلطان صلاح الدين ، فلزم القناعة بأداء واجبه اليومي الرسمي في الدولة احتفاظا ببعض ما ردّ اليه من جاهه وشأنه ، ولم يشارك أقطاب القصر السياسيين في أعمالهم ومؤامراتهم طلبا للعافية ، أو هم لم يريدوا أن يشاركهم فيها . ولكن ما أخذ به نفسه من هذا وذاك لم يجده نفعا كبيرا ، فما لبث ضياء الدين ابن الأثير الجزري « 2 » وزير الملك الأفضل حين استقل سيّده بملك دمشق أن استقل هو بالوزارة ، وردت أمور الناس اليه ، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه ، وغلبه سكر السلطة والشباب فبدأ يؤذي أكابر الدولة ، والأفضل يسمع منه ولا يعدي أحدا ولا يخالفه ، ثم حسّن للأفضل طرد أمراء أبيه ورجال دولته ليخلو له الجوّ ويتصرف كما يشاء على نحو
--> ( 1 ) البداية والنهاية ( 13 / 8 ) . والكتاب مثبت في الفتح القدسي غير منسوب إلى كاتبه . ( 2 ) هو الأديب المتفنن الكاتب المنشئ البليغ أبو الفتح نصر اللّه بن أبي الكرم محمد الشيباني ، المعروف بابن الأثير الجزري ، الملقب بضياء الدين . ولد بجزيرة ابن عمر سنة 558 ه ، ودرس بالموصل ، وحفظ كتاب اللّه وكثيرا من الأحاديث النبوية وما لا يحصى من الأشعار القديمة والمحدثة ، ونبغ في الترسل ، وقصد السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 587 ه فوصله القاضي الفاضل بخدمته ، ثم طلبه ولده وولي عهده الأفضل نور الدين علي ، فانتقل اليه واستوزره . ولما توفى السلطان واستقل الأفضل بملك دمشق استقل ضياء الدين بالوزارة إلى أن طرد مع الأفضل من دمشق ، ثم تطورت به الأحوال ارتفاعا وانخفاضا إلى وفاته سنة 637 ه ببغداد وقد توجه إليها رسولا من جهة صاحب الموصل ، فأدركته منيته فيها ودفن بمقابر قريش في الجانب الغربي . وله تأليف بارعة في البلاغة والأدب الكتابي تدل على فضل غزير وتحقيق وأصالة ، منها كتابه المشهور « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » ، و « الوشي المرقوم في حل المنظوم » ، و « المعاني المخترعة في صناعة الانشاء » ، وغيرها ، وكلها في غاية الحسن والإفادة ونهاية في بابها . وترجمته في وفيات الأعيان ( 2 / 158 ) ، وشذرات الذهب ( 5 / 187 ) .