عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 103
خريدة القصر وجريدة العصر
ونترك بقية تراجم الباب والأبواب الأخرى إلى الأجزاء التالية . وأقدر أن هذا القسم من الكتاب سيكون في عدة أجزاء أرجو من اللّه تعالى العون على بلوغ الغاية من تحقيقها ونشرها . * * * قيمة هذا القسم : وسيقفنا هذا القسم على عدد ضخم من الشعراء الكبار ، وعلى حركة أدبية شاملة ازدهرت في العراق ، في أثناء القرن الخامس والقرن السادس ، واتّصلت شعلتها بأضواء النهضة العظيمة التي بلغت الذّروة في القرن الرابع : عمّت مدنه الكبار كبغداد وواسط والبصرة ، وشملت النواحي ، وتغلغلت في أحشاء القرى من سواد بغداد وأعمالها شرقيها وغربيها ، وأعمال الفرات أعلاه وأسفله ، واتصلت من الشمال إلى الجنوب : من الحديثة وهيت والأنبار ، إلى الحلة والكوفة وقرى واسط والغرّاف والطيب وقرقوب ومتّوث وغيرها ؛ وشارك فيها الخلفاء والأمراء والوزراء وأعيان البلاد فلم تشغلهم مراكزهم السياسية وأعمالهم عن تشجيع الأدب وتعاطي الشعر وتأليف الكتب ، وتعاون فيها المسلمون والنصارى ، فلم يخل الكتاب من تراجم بعض أدباء النصارى : من أسلم منهم مثل العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا كاتب القائم والمقتدي والمستظهر ، وابن أخته تاج الرؤساء ، وأبي غالب ابن الأصباغي ؛ ومن لم يسلم مثل الطبيب ابن ماري صاحب المقامات التي احتذى بها الحريري « 1 » ، كما تعاون فيها أبناء المدن وأبناء القبائل العربية بل أبناء بعض القبائل الكرديّة التي توطّنت الحلّة والبطائح وما حولها أيضا ، وكانت لها عناية ظاهرة بالشعر والشعراء . وما خلت هذه النهضة الرائعة من مشاركة النساء ، من مثل الفقيهة الشاعرة أم
--> ( 1 ) ظفرت في عهد الطلب بهذه المقامات النادرة ، وهي خمسون مقامة على غرار مقامات الحريري البصري ، والمؤلف بصري مثله وعصره قريب من عصر الحريري ، وشرحتها شرحا موجزا قصدت به إلى تقريب البعيد واجتلاء الغامض .