أحمد بن إبراهيم الغرناطي
14
صلة الصلة
سمعت من أحد أشياخي شيئا من نكت العلم ، وتفسير مشكل ، وما يرجع إلى ذلك إلا قيدته ، وما قيدت بخطي شيئا إلا حفظته ، وما حفظت شيئا قط فنسيته . هذا مما سمعته منه رحمه اللّه ، ورأيت أثر ذلك وثمرته ، وكان على حال من الزهد والورع والتقشف والفضل تناسب علمه ، ولم يكن شيء أبغض إليه من أن يعرف ، أو يشار إليه في دين أو علم ، مع مكانته فيهما ، وسمعته رحمه اللّه يسأل اللّه الشهادة ، ويتوسل إليه . . . فأجاب اللّه دعاءه ، وتوفي شهيدا بمرسى بجبل الفتح ، دخل عليهم العدو فيه ، فبلغني أنه قاتل حتى قتل رحمه اللّه ، وذلك سنة إحدى وخمسين وستمائة ، وكان قد دخل الأندلس مرارا بيسير بضاعة كانت لديه يتحرف بها ، ودخل إشبيلية ، وتردد آخر عمره على غرناطة ومالقة إلى وفاته ، وكان قد فارق بلده آخر عمره رحمه اللّه ونفعه ، ترددت عليه بغرناطة ، وقرأت عليه بعض شيء من العربية ، وأصول الفقه ، وغير ذلك ، وسألته الإجازة ، فأبى علي ، وكان لا يقول بها ، فقلت له : لا بد من إذنك في شيء أسنده إليك ، فأنشدني ما أنشده الأستاذ أبو محمد عبد العزيز بن زيدان ، ولم يسم القائل : قامت لعود تناغيه فيتبعها * فانظر بدائع ما تأتي به الشجر غنت على غصنه الأطيار مفصحة * رطبا فلما عسا غنى به البشر فلا يزال عليه أو به طرب * يهيجه الأعجمان : الطير والوتر وأنشدني غير هذا رحمه اللّه . 25 - محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكافي الأنصاري الدمشقي الواعظ يكنى أبا بكر ، يعرف بسعد الدين ، ورد على الأندلس سنة إحدى وخمسين ، ولقيته بمرسية ، ثم وصل غرناطة ، فلقيته بها وجالسته واستدعيته إلى منزلي ، وسألته عن شيوخه ، فذكر أنه أخذ عن عالم كثير ، منهم : أبوه ، وأبو محمد عبد الغني المقدسي ، وأبو اليمن الكندي تاج الدين ، قال : وقرأت عليه بقراءات السبعة ، وأبو عبد اللّه بن الخشاب البغدادي ، وأبو البقاء عبد اللّه بن الحسن بن عبد اللّه العكبري الحنبلي الضرير النحوي ، وقرأت عليه شرحه مقامات الحريري ، وأبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الإمام الواعظ ، قال : وهو أجل من أخذت عنه من هؤلاء ، كتب لي بالإجازة مرتين : بمرسية ، وغرناطة ، وكان حافظا . . . حاضرا الذكر لذلك ، نبيل المنزع في وعظه ، يفتتح مجالسه بالتفسير بعد الخطب ، ويوسط بذكر شيء من أخبار الصالحين ، وبعض فصول من كلام ابن الجوزي ، ويختم بفصل من السير هكذا أبدا ، لا يخرج عن عادته فيه مع إحراز التناسب والانسجام في الأغراض الثلاثة ،