ابن الأبار

211

التكملة لكتاب الصلة

مقلدا في ما يلقيه ويسمعه ، مقدما على أهل وقته في هذا الشأن ، معروفا بذلك ، حافظا حافلا إخباريا ممتعا تاريخيا ، مفيدا ذاكرا لأخبار الأندلس القديمة والحديثة ، وخصوصا لما كان بقرطبة ، حاشدا مكثرا ، روى عن الكبار والصغار وسمع العالي والنازل ، وكتب بخطه علما كثيرا ، وأسند عن شيوخه نيفا وأربعمائة كتاب بين كبير وصغير ، أخذ منها عن ابن عتاب وحده فوق المائة ، وعمر طويلا فرحل الناس إليه ، وأخذوا عنه ، وانتفعوا به ، ورغبوا فيه ، وحدثنا عنه جماعة من شيوخنا الجلة ووصفوه بصلاح الدخلة ، وسلامة الباطن ، وصحة التواضع ، وصدق الصبر للراحلين إليه ، ولين الجانب ، وطول الاحتمال في الكبرة للإسماع رجاء المثوبة ، ولم يعرض في تاريخه لما أراده أبو عبد اللّه النميري وسواه منه ، ونعوا تركه عليه ، وأحبوا خوضه فيه من اجتلاب ما رآه أحق بالاجتناب ، وألف خمسين تأليفا في أنواع مختلفة ، أجلها كتاب الصلة ، سلم له أكفاؤه فيه ولم ينازعه أهل صناعته الانفراد به ، ولا أنكروا مزية السبق إليه ، بل تشوفوا للوقوف عليه وأنصفوا من الاستفادة منه ، وقد حمله عنه أبو العباس بن العريف الزاهد ممن يعده في شيوخه ، وصار إلى ما كتب منه أبو القاسم بن حبيش على الاختصار وهو من كبار أصحابه ، وكان أبو الفضل بن عياض ، وأبو محمد الرشاطي وناهيك بهما ، يكاتبانه بما يعثران عليه ، ويفيدانه بما يقع إليهما من أسماء الرجال والرواة غربا وشرقا ، فاتسعت فائدته وعظمت منفعته ، وهو كتاب في فنه خطير القيمة ضروري الاستعمال ، لا يستغني أهل الفقه عن التبلغ به والنظر فيه ، والاحتجاج منه ، وأغلاطه الواقعة له فيه قليلة ، وقد نبهت على أكثرها في كتابي هذا ، واستدركت ما أغفل ، وتممت ما نقص ، وجودت ما اقتضب مما وقع إلي ، وترجح لدي ، ولذلك ما أعدت هنا جملة مما ذكر هنالك ، مؤتسيا بفعله في أسماء من كتاب ابن الفرضي واللّه أسأل الإصابة ، ومن تآليفه أيضا : كتاب الغوامض والمبهمات في اثني عشر جزءا ، وقد اختصره شيخنا أبو الخطاب بن واجب ورتبه ترتيبا عجيبا واستحقه بذلك ، فحملناه عنه وسمعناه منه مختصرا ، وكتاب الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة في عشرين جزءا ، وكتاب المحاسن والفضائل في معرفة العلماء الأفاضل في أحد وعشرين جزءا ، إلى غير ذلك من مؤلفاته ، ومجموعاته الشاهدة له بالحفظ والإكثار ، وولي بإشبيلية قضاء بعض جهاتها لأبي بكر بن العربي ، وعقد الشروط ببلده ، ثم اقتصر على إسماع العلم ، وهذه الصناعة كانت بضاعته والرواة عنه ، لعلو الإسناد وسعة المسموع لا يحصون كثرة ، ومن جلتهم : أبو بكر بن خير ، وأبو القاسم القنطري ، وأبو الحسن بن فيد ، وأبو بكر بن سمحون ، وأبو الحسن بن الضحاك وكلهم ماتوا في حياته .