ابن عساكر

مقدمة ودراسة 59

معجم الشيوخ

الموضوع العام للكتاب أو الرسالة أو المجلس إلا أننا لا نعدم آثار شخصيته في الاختيار وتقديم بعض الروايات على بعض والتعليق على بعضها من حيث المضمون أو مدى ضبط رجال السند ، أو معارضتها بروايات أخرى تعضدها ، أو تضعفها بحيث يوجه القارئ إلى ما يريد وهو مختف وراء الروايات والأسانيد ، ويظهر هذا جليا لمن يقرأ الكثير من مصنفات الشيخ وخاصة تاريخ مدينة دمشق ، انظر إن شئت في ترجمة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، أو في تراجم عمرو بن العاص وبعض رجال بني أمية ، فستجده بارعا في جمع الأخبار والروايات وجذب خيوطها وتحريكها من وراء ستار لتظهر للقارئ صورة المترجم أوضح ما تكون وأصدق ما يمكن مع التملص من التبعات السياسية التي قد يؤدي إليها الحكم المباشر على شخصيات هامة . وقد يستطرد بذكر طرفة مستملحة ، أو خبر أدبي ، أو قصيدة مستجادة مع تحليل لغوي لها منصرفا عن الكلام على شخصية لها أهمية تاريخية بالغة كفعله في ترجمة عبد الرحمن الداخل فهو بهذا يروح عن القارئ ، ويسد ثغرة النقص في المعلومات الموثوقة المروية بالأسانيد ، ويربأ بنفسه عن رعونة التسرع في إطلاق الأحكام . وكيفما تلون أسلوب الشيخ الحافظ باختلاف موضوعاته ، فهو ملازم دوما للرصانة والجد والبساطة مقتصد فيما شاع في أساليب عصره من إغراق في الصنعة والتكلف ، فأسلوبه بشكل عام أسلوب العلماء المؤرخين المحدّثين ، أسلوب مباشر موجز يأخذ بنصيبه من محسنات اللفظ والتصوير كما نرى في المقدمات الموجزة التي يصدر بها كتبه . ومع هذا الجد كان الشيخ الحافظ ميالا إلى الشعر يحب أن يرويه وينظمه لا افتتانا بما في الشعر من فن وجمال وانطلاق في أجواء الإبداع والخيال ، ولكن رغبة في تهذيب الطبع وإقناع العقل وتربية المشاعر ، فما زالت النفس البشرية تحب بفطرتها الألحان والأنغام والألوان والصور فهي تتأثر بها أكثر من تأثرها بالنثر العلمي الجاف والتوجيه المباشر . . ولعل الشيخ الحافظ كان يفكر