ابن عساكر
55
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
فلما رحلت عنه حملت حصيات من قبره ، فأتت بها الفرزدق ، فألقتها بين يديه ، وقالت له : سألتك بصاحب هذه التربة إلا أعفيتني من ذكرك في هجائك في شعر ، قال : وربّ الكعبة اليمانية لاذكرتك بسوء أبدا ، فهاجى بني جعفر بن كلاب . فلما صار إليها قال « 1 » : عجوز تصلي الخمس عانت بغالب * فلا والذي عاذت به لا أضيرها « 2 » لئن نافع لم يرع أرحام أمّه * وكانت كدلو لا يزال يعيرها « 3 » لبئس دم المولود مسّ ثيابها * عشية نادى بالغلام بشيرها وإني على إشفاقها من مخافتي * وإن عقّها بي نافع « 4 » لمجيرها وكان رجل من بني منقر « 5 » كاتب غلاما له كان منشؤه البادية على ألف درهم على أن يؤديها إليه بعد حول ، فسعى فيها ، ومضى الحول ، ولم يصل إليها ، فخرج من البصرة متنكرا حتى أتى سيف كاظمة « 6 » ، فحمل من قبر [ غالب أبي ] « 7 » الفرزدق حصيات وأتى بهن الفرزدق ، وهو واقف بالمربد « 8 » ، يبيع إبلا له ، فألقاهن في حجره ، وقال : إنّي مستجير غارم ، قال : وما بك ، لا أبا لك ؟ فأنشده : بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما * خشيت الردى أو أن أردّ على قسر بقبر امرئ تقري المئين عظامه * ولم يك إلا غالبا ميت يقري فقال لي استقدم أمامك إنما « 9 » * فكاكك « 10 » أن تلقى الفرزدق في المصر
--> ( 1 ) الخبر والأبيات في الأغاني 21 / 354 - 355 والبيت الأول في أنساب الأشراف 12 / 74 والبيت الأول والأخير في الديوان 1 / 367 والخبر والبيتان الثاني والثالث في أنساب الأشراف 12 / 93 - 94 . ( 2 ) روايته في أنساب الأشراف : أتتني فعاذت من هجائي بغالب * فلا والذي شق استها لا أضيرها ( 3 ) عار يعير : عاب أو اتلف . ( 4 ) هو نفيع بن صفار المحاربي ، كما في أنساب الأشراف 12 / 93 . ( 5 ) الخبر والأبيات في الكامل للمبرد 2 / 612 - 613 وأنساب الأشراف 12 / 64 والبيتان الأول والثاني في الأغاني 21 / 350 و 398 . ( 6 ) يعني في المكان الذي قبر فيه غالب والد الفرزدق . ( 7 ) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك للإيضاح عن الأغاني . ( 8 ) المربد : بالكسر ثم السكون وفتح الباء الموحدة ، قال الأصمعي : المربد كل شيء حبست فيه الإبل ، ولهذا قيل مربد النعم بالمدينة ، وبه سمي مربد البصرة . وإنما كان موضع سوق الإبل ، انظر معجم البلدان 5 / 97 - 98 . ( 9 ) الأغاني 21 / 350 فأخبرني قبر ابن ليلى فقال لي وفيها 21 / 398 فخاطبني . ( 10 ) أنساب الأشراف 12 / 64 شكاكك .