ابن عساكر
52
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
قالوا : عسكر الحسين بن علي عليه السّلام ، فقلت : لأقضينّ بحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه ، فأتيته ، فسلّمت ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : الفرزدق بن غالب ، قال : هذا نسب قصير ، فقلت : أنت أقصر مني نسبا ، أنت ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لي : أبو من ؟ قلت : أبو فراس ، فقال لي : يا أبا فراس ، كيف خلّفت الناس ؟ ومن أين ؟ وإلى أين ؟ قلت : من البصرة ، أريد العمرة ، وما سألت عنه من أمر الناس فقلوبهم معك ، وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، فاغرورقت عيناه ، وقال : هكذا الناس في كل زمان أتباع لذي الدينار والدرهم ، والدين لغو على ألسنتهم ، فإذا فحصوا بالابتلاء قل الديانون . قال الفرزدق « 1 » : لقيت حسينا ، فقلت : بأبي أنت لو أقمت حتى يصدر الناس لرجوت أن ينقصف أهل الموسم معك ، فقال : لم آمنهم يا أبا فراس « 2 » ، قال : فدخلت مكة ، فإذا فسطاط وهيئة « 3 » ، فقلت : لمن هذا ؟ قالوا : لعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، فأتيته ، فإذا شيخ أحمر ، فسلمت : فقال : من ؟ قلت : الفرزدق ، أترى أن أنصر حسينا ، قال : إذا تصيب أجرا وذخرا ، قلت : بلا دنيا ، فأطرق ثم قال : يا ابن غالب ، لتتمن خلافة يزيد ، فانظرن ، فكرهت ما قال : فسببت يزيد ومعاوية ، قال : مه ، قبحك اللّه ، فغضبت فشتمته وقمت . فلو حضره حشمه لأوجعوني . فلما قضيت الحج رجعت ، فإذا عير ، فصرخت ، ألا بايعا « 4 » الحسين ، فردوا على الأفناء . قال إسماعيل بن يسار : لقي الفرزدق حسينا ، فسلّم عليه ، فوصله بأربع مائة دينار ، فقالوا : يا أبا عبد اللّه ، تعطي شاعرا متهترا ؟ ! فقال : إنّ خير ما أمضيت من مالك ما وقيت به عرضك ، والفرزدق شاعر لا يؤمن ، فقال قوم لإسماعيل : وما عسى أن يقول في الحسين ، ومكانه مكانه ، وأبوه وأمه من قد علمت ؟ قال : اسكتوا ، فإن الشاعر ملعون ، إن لم يقل في أبيه وأمه قال في نفسه . قال الفرزدق « 5 » :
--> ( 1 ) الخبر باختلاف الرواية في تاريخ الطبري 3 / 296 ( حوادث سنة 60 ) والبداية والنهاية 5 / 673 . ( 2 ) الذي في تاريخ الطبري : فقلت : بأبي وأمي يا بن رسول اللّه ! ما أعجلك عن الحج ؟ فقال : لو لم أعجل لأخذت . ( 3 ) في الطبري : فإذا بفسطاط مضروب في الحرم ، وهيئته حسنة . ( 4 ) كذا بالأصل . ( 5 ) تاريخ الطبري 3 / 297 والبداية والنهاية 5 / 673 .