ابن عساكر

308

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

خرجت إلى الشام في خلافة هشام ومعي جاريتي عاتكة ، وقد كنت علمتها وحذقتها ، وأنا أقدّر منها ما أستغني به . فلما قربنا من دمشق نزلت القافلة على غدير ، ونزلت ناحية منهم ، فأقبل فتى حسن الوجه والهيئة ، على فرس أشقر ، ومعه خادمان ، وعليه ثياب وشي مذهبة ، ما أدري أوجهه أحسن أم ثيابه ، فسلّم عليّ وقال : أتقبل ضيفا ؟ فقمت ، فأخذت بركابه ، وقد علمت أنّه من أهل بيت الخلافة ، ودخلني له هيبة وإجلال ، وقلت : انزل سيدي ، فنزل . فذكر أنه سقاه ، وغنّاه وغنته الجارية حتى ظلمة « 1 » العشاء الآخرة ، فقال : ما أقدمك بهذه الجارية ؟ قلت : أردت بيعها ، قال : كم قدّرت منها ؟ قلت : رجوت فيها قضاء ديني ، وصلاح حالي . قال : قد أخذتها بخمسين ألف درهم ، ولك بعد ذلك جائزة وكسوة ونفقة طريقك ، وإن أشركك في حالي أبدا ما بقيت . قلت : قد بعتكها ، قال : قد قبلت ، أفتثق بي أن أحمل إليك ذلك غدا وأحملها معي ، أو تكون عندك ؟ قلت : قد وثقت بك ، فخذها ، بارك اللّه لك فيها . فقال لأحد خادميه : احملها على دابتك ، وارتدف وراءها ، واحملها معك ، ففعل ، وركب فرسه ، وودّعني . فما هو إلّا أن غاب عني حتى عرفت موضع خطئي « 2 » ، وقلت : ما ذا صنعت بنفسي ؟ رجل لا أعرفه ، ولا أدري من هو - وهبني عرفته - من أين أصل إليه ؟ ! وجلست مفكّرا ، ثم قلت : الجارية برّة بي ، لن تتركه أو تقضي حقّي . فلم أزل ليلتي أتململ حتى أصبحت ، فصلّيت ، وجلست في موضعي . ودخل أصحابي دمشق ، وصهرتني « 3 » الشمس ، وقلت : إن دخلت لم يعرف موضعي . فأقمت ، وأنفذت رحلي مع بعض أهل المدينة ، وجلست في ظل جدار هناك . فلمّا أضحى النهار إذا أنا بأحد « 4 » الخادمين قد أقبل إليّ ، فما أذكر أني فرحت مثل فرحي بالنظر إليه ، فقال لي : أنا منذ غدوة أدور عليك في رفقتك . فقبل أن أسأله عن شيء قلت : من صاحبي ؟ قال : وليّ العهد الوليد بن يزيد . فسكنت نفسي . ثم قال : قم فاركب ، وإذا معه دابة ، فركبت ، ودخلت إلى داره ، فقال : من تكون ؟ قلت : يونس الكاتب ، قال : مرحبا بك ، أما ندمت على ما كان منك البارحة ؟ قلت :

--> ( 1 ) في مختصر أبي شامة : طلمت . ( 2 ) في مختصر أبي شامة : « عرقت موضع خطاي » . ( 3 ) صهرته الشمس تصهره صهرا صهدته وصحّرته وذلك إذا اشتد وقعها عليه وحرّها حتى ألم دماغه ( تاج العروس : صهر ) . ( 4 ) في مختصر أبي شامة : بإحدى .