ابن عساكر
295
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
فقال يونس : يا جبريل ، إنما سألتك أن ترينيه صواما قواما ، قال جبريل : إنّ هذا كان قبل البلاء هكذا ، وقد أمرت أن أسلبه بصره ، قال : فأشار إلى عينيه ، فسالتا ، فقال : متّعتني بهما حيث شئت ، وسلبتنيهما حيث شئت ، وأبقيت لي « 1 » فيك طول الأمل ، يا بارئا رضاك . فقال جبريل : هلمّ تدعو اللّه ، وندعو معك فيردّ عليك يديك ورجليك وبصرك ، فتعود إلى العبادة التي كنت فيها ، قال : ما أحبّ ذلك ، قال : ولم ؟ قال : أمّا إذا كانت محبّته في هذا فمحبّته أحبّ إليّ من ذاك . قال يونس : باللّه يا جبريل ، ما رأيت أحدا أعبد من هذا قطّ . قال جبريل : يا يونس ، هذا طريق لا يوصل إلى اللّه - عزّ وجل - بشيء أفضل منه . قال إسحاق بن بشر : وأخبرنا ابن سمعان ومقاتل وسليمان وسعيد بن بشير عن قتادة عن كعب قال : إن يونس لحق بالعبّاد ، وكانت العباد حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل يخرجون إلى الفيافي والجبال والسواحل ؛ فمنهم من كان يأكل العشب ، ومنهم من كان يأكل ورق الشجر ، ومنهم من يطلب الرزق طلب الطير ويجزئه من الدنيا ما يجزئ الطير ، تركوا الدنيا ، فلولا هؤلاء ما نظر « 2 » اللّه إلى بني إسرائيل طرفة عين ، غير أنّ اللّه كان متجاوزا عنهم ، متعطفا عليهم ، يدفع عنهم بأوليائه « 3 » . قال كعب : إنّ يونس لم يجامع الناس بعد ذلك حتى لحق باللّه . وكان شعيا تلميذ يونس ، وكان عبدا صالحا ، قد اصطفاه اللّه ، وطهّره ، فلمّا مات يونس أمر شعيا أن يلحق « 4 » ببني إسرائيل ، وكان إذا ملك الملك على بني إسرائيل بعث اللّه معه نبيا يسدّده ، ويرشده ، ويكون فيما بينه وبين اللّه . قال : وشعيا « 5 » هو الذي بشّر بعيسى بن مريم ، وبشّر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فخبّر بني إسرائيل أنّه يكون نبي يخلق من غير ذكر ، من عذراء صدّيقة طيّبة مباركة ، يركب الحمار ، يكون على
--> ( 1 ) في مختصر أبي شامة : لك . ( 2 ) على هامش مختصر أبي شامة : ناظر . ( 3 ) انظر تاريخ الطبري 1 / 313 . ( 4 ) غير واضحة في مختصر أبي شامة ، ولعل الصواب ما أثبت . ( 5 ) وهو شعيا بن أمصيا ، وقد بعث قبل مبعث عيسى وزكريا ويحيى انظر أخباره في تاريخ الطبري 1 / 313 والكامل لابن الأثير 1 / 173 .