ابن عساكر
235
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
وكان ليلة الختم في شهر رمضان يخطب خاطب في حلقته بالمسجد الجامع ، ويدعو بدعاء الختم ، وعنده الشيخ أبو الحسن علي بن المسلم « 1 » ، فرماهم بعض من كان خارج الحلقة بحجر ، فلم يعرف من هو لكثرة من حضر ، فقال الفندلاوي : اللهم اقطع يده . فما مضى إلّا يسير حتى أخذ خضير الركابي من حلقة الحنابلة ، ووجد في صندوقه مفاتيح كثيرة قد أعدها لفتح الأبواب للتلصص « 2 » ، فأمر شمس الملوك « 3 » بقطع يديه ، ومات من ذلك « 4 » . قتل الفندلاوي - رحمه اللّه - يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بالنّيرب « 5 » تحت الرّبوة . وكان قد خرج مجاهدا للفرنج - خذلهم اللّه - وفي هذا اليوم نزلوا على دمشق حماها اللّه « 6 » ، ورحلوا بكرة يوم الأربعاء الذي يليه بعد أربعة أيام من نزولهم ، وكان نزولهم بأرض قينية « 7 » ، وكان رحيلهم لقلة العلوفة ، والحذر من العساكر المتواصلة لنجدة أهل دمشق من الموصل وحلب - ودفن تحت الرّبوة على الطريق ، ثم نقل إلى مقبرة الباب الصغير ، فدفن بها ، وكان خروجه إليهم راجلا . فبلغني أن الأمير أمر « 8 » المتولي لقتالهم ذلك اليوم لقيه قبل أن يتلاقوا وقد لحقه مشقة من المشي ، فقال له : أيها الشيخ الإمام ، ارجع ، فأنت معذور للشيخوخة ، فقال : لا أرجع ، بعنا واشترى منا ، يريد قول اللّه عزّ وجل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ] [ سورة التوبة ، الآية : 111 ] فما انسلخ النهار عنه حتى حصل له ما تمنى من بلوغ الشهادة التي توصله إلى ما يرجو من السعادة . قال أحمد بن محمّد القيرواني :
--> ( 1 ) هو علي بن المسلم بن محمّد بن علي ، أبو الحسن السلمي الدمشقي ترجمته في سير الأعلام 20 / 31 . ( 2 ) في سير الأعلام : ووجد في صندوقه مفاتيح كثيرة للسرقة . ( 3 ) يعني إسماعيل بن بوري بن طغتكين التركي صاحب دمشق ، انظر ترجمته في سير الأعلام 19 / 575 . ( 4 ) الخبر رواه بتمامه الذهبي في سير الأعلام 20 / 209 - 210 نقلا عن ابن عساكر . ( 5 ) النيرب محلة تلي الربوة لجهة دمشق ، يراد بها هنا سفح قاسيون مما يلي الربوة راجع رحاب دمشق للشيخ محمد دهمان ص 27 - 29 . ( 6 ) انظر تفاصيل ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 365 حوادث سنة 543 ، وانظر معجم البلدان 4 / 277 - 27 . ( 7 ) قينية : قرية كانت خلف الباب الصغير من مدينة دمشق . ( معجم البلدان ) . ( 8 ) كذا بدون إعجام في مختصر أبي شامة ، وفي البداية والنهاية : أرتق .