ابن عساكر
219
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
من الكتب . ثم انتقل إلى بغداد محدّثا فقيها ، وسكنها إلى أن توفي بها . وكان ورعا ، زاهدا ، عاملا بعلمه ، متنسكا ، بكاء عند الذكر ، خاشعا ، صدوقا ، متبركا به ، مشتغلا بنفسه ، مقبلا على العبادة ونشر العلم . مولده سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بزنجان . سمع منه أبو القاسم مكي بن عبد السّلام المقدمي الحافظ ، وأبو محمّد عبد اللّه بن أحمد بن عمر بن السمرقندي ، روى لنا عنه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي ومولده سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بزنجان . وذكر أبو زكريا يحيى بن عبد الوهّاب بن منده أنه قدم أصبهان سنة 428 وسمع منه جماعة كبيرة . قال أبو سعد : أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي : قال أبو القاسم التفكّري : سمعت أبا علي الحسن بن علي بن بندار الزّنجاني يقول : كان هارون الرشيد بعث إلى مالك بن أنس يستحضره ليسمع منه ابناه الأمين والمأمون ، فأبى عليه ، وقال : إن العلم يؤتى ، لا يأتي . فبعث إليه ثانيا ، فقال : أبعثهما إليك يسمعان مع أصحابك ، فقال مالك : بشريطة أنهما لا يتخطيان رقاب الناس ، ويجلسان حيث ينتهي بهما المجلس . فحضراه بهذا الشرط . وكان يحيى بن يحيى النيسابوري يحضر المجلس ، فانكسر يوما قلمه ، وبجنبه المأمون ، فناوله قلما من ذهب ، أو قلما من فضة ، من مقلمة ذهب ، فامتنع من قبوله ، فقال له المأمون : ما اسمك ؟ قال : يحيى بن يحيى النيسابوري ، فقال : تعرفني ؟ قال : نعم ، أنت المأمون ابن أمير المؤمنين . فكتب المأمون على ظهر جزئه : ناولت يحيى بن يحيى النّيسابوري قلما في مجلس مالك فلم يقبله . فلما أفضت الخلافة إلى المأمون بعث إلى عامله بنيسابور ، وأمره أن يولي يحيى بن يحيى القضاء . فبعث إليه يستدعيه ، فقال بعض الناس : إنه يمتنع من الحضور وليته يأذن للرسول فأنفذ إليه كتاب المأمون ، فقرئ عليه ، فامتنع من القضاء . فردّ إليه ثانيا وقال : إن أمير المؤمنين يأمرك بشيء ، وأنت من رعيته ، فتأبى عليه ؟ ! فقال : قل لأمير المؤمنين : ناولتني قلما وأنا شاب ، فلم أقبله ، فتجبرني الآن على القضاء وأنا شيخ ! فرفع الخبر إلى المأمون بذلك فقال : علمت امتناعه ، ولكن ، ولّ القضاء رجلا يختاره . فبعث إليه العامل في ذلك فاختار رجلا من نيسابور ، فولي القضاء .