ابن عساكر
154
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
اجتمعت مع يعقوب بن السّكّيت عند محمّد بن عبد الملك الزيات ، فقال لي محمّد بن عبد الملك الزيات : سل أبا يوسف عن مسألة . فكرهت ذلك ، وجعلت أتباطأ ، وأدافع مخافة أن أوحشه ، لأنّه كان لي صديقا . فألحّ علي محمّد بن عبد الملك ، وقال لي : لم لا تسأله ؟ فاجتهدت في اختيار مسألة سهلة لأقارب يعقوب ، فقلت له : ما وزن نكتل من الفعل من قول اللّه تعالى : فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ [ سورة يوسف ، الآية : 63 ] ؟ فقال لي : نفعل ، فقلت : فينبغي أن يكون ماضيه ( كتل ) ! فقال : لا ، ليس هذا وزنه ، إنما هو ( نفتعل ) ، فقلت له : نفتعل كم حرفا ؟ قال : هو خمسة أحرف ، فقلت له : فنكتل ، كم حرفا هو ؟ قال : أربعة أحرف فقلت له : أيكون أربعة أحرف بوزن خمسة أحرف ؟ فانقطع ، وخجل وسكت . فقال محمّد بن عبد الملك : فإنما تأخذ كل شهر ألفي درهم على أنك لا تحسن ما وزن ( نكتل ) ؟ قال : فلمّا خرجنا قال لي يعقوب : يا أبا عثمان ، هل تدري ما صنعت ؟ فقلت له : واللّه لقد قاربتك جهدي [ وما لي في هذا ذنب ] « 1 » « 2 » . [ قال القاضي أبو الفرج : نكتل في هذا الموضع هو في أوليته وابتدائيته في ماضيه ومستقبله : كال يكيل على فعل يفعل . مثل مال يميل وقياسه في أصل تقديره كيل يكيل نظيره في الصحيح ضرب يضرب . إلّا أن الياء في كيل انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . والألف لا تكون إلا ساكنة إلّا أنها في نية حركة ونقلت كسرة الياء في المضارع ونقلت كسرتها إلى الكاف وكانت ساكنة ، فكسرت إذ لم يستقم التقاء الساكنين فصار نكتل ، وقيل في الجمع : كلنا نكتل ، ثم لما زيدت التاء دلالة على الافتعال قيل : اكتال نكتال وأصله اكتيل يكتيل ، نحو افتعل يفتعل نظيره من الصحيح اكتتب يكتتب واكترث يكترث واستبق يستبق ثم قلبت الياء من اكتيل ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار اكتال ومضارعه يكتال ، وأصله يكتيل ، وفي الجمع نكتيل وزنه نفتعل ، فلما قيل نكتل فأعرب بالجزم إذ هو جواب الأمر اقتضى الجزم سكون اللام ، فالتقى
--> ( 1 ) ما بين معكوفتين زيادة عن وفيات الأعيان والجليس الصالح الكافي . ( 2 ) زيد في سير الأعلام 12 / 272 فقال المتوكل : ما وزنها ؟ قلت : وزنها في الأصل نفتعل ، لأنها « نكتيل » فتحرك حرف العلة ، وانفتح ما قبله فقلب ألفا فصار « نكتال » فحذفت ألفه للجزم ، فبقي « نكتل » وعقب أبو شامة في مختصره : قلت وذكر أبو الحسن ابن سيده هذه الحكاية في أول خطبة كتابه المحكم في اللغة لكنه ذكر أن ذلك كان بين يدي المتوكل أمير المؤمنين .