ابن عساكر
331
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
حدث محمد أمير البصرة قال « 1 » : كنت أحد من مرّض الواثق ، لما مات « 2 » ، فكنت واقفا بين يديه مع جماعة إذ لحقته غشية ، فما شككنا أنه مات فقال بعضنا لبعض : تقدموا ، فاعرفوا خبره ، فما جسر أحد منهم يتقدم ، فتقدمت أنا . فلما صرت عند رأسه ، وأردت أن أضع يدي على أنفه أختبر « 3 » نفسه لحقته إفاقة ، ففتح عينيه ، فكدت أن أموت فزعا من أن يراني مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي ، فرجعت إلى خلف ، وتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس ، وعثرت به ، فاتكأت عليه ، فاندق سيفي ، وكاد أن يدخل في لحمي ويجرحني ، فسلمت وخرجت : فاستدعيت سيفا ومنطقة فلبستها « 4 » ، وجئت [ حتى ] « 5 » وقفت في مرتبتي ساعة . فتلف الواثق بلا شك ، فتقدمت ، فشددت لحييه ، وغمّضته ، وسجّيته ، ووجهته إلى القبلة ، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في المجلس ليردوه إلى الخزائن ، لأن جميعه مثبت عليهم ، وترك وحده في البيت ، وقال لي ابن أبي دواد القاضي : إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ، ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت ، فكن أنت ذلك الرجل ، وكنت من أخصهم به [ في حياته ] « 6 » لأنه أحبني حتى لقبني الواثقي ، باسمه ، فحزنت عليه ، فرددت باب المجلس ، وجلست في الصحن عند الباب أحفظه . وكان المجلس في بستان عظيم ، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني ، فدخلت انظر ما هي ؟ فإذا بجرذون « 7 » من دواب البستان قد جاء حتى استلّ عين الواثق فأكلها ، فقلت : لا إله إلا اللّه ، هذه العين التي فتحها من ساعة - فاندق سيفي هيبة لها - صارت طعمة لدابة ضعيفة ، وجاءوا فغسلوه ، فسألني ابن أبي دواد عن عينه فأخبرته . وكان الواثق أبيض إلى الصفرة ، جسيما ، حسن الوجه ، جميلا ، في عينه نكتة بياض « 8 » .
--> ( 1 ) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد 14 / 19 من طريق التنوخي قال أخبرني أبي قال حدثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن محمد الواثقي قال حدثني أبي أحمد بن محمد أمير البصرة قال حدثني أبي ، وذكره ومختصرا في البداية والنهاية 10 / 341 وسير الأعلام 10 / 313 والكامل لابن الأثير 7 / 30 . ( 2 ) في تاريخ بغداد : في علته التي مات فيها . ( 3 ) في تاريخ بغداد : اعتبر نفسه . ( 4 ) في الأصل : فلبسته ، والمثبت عن تاريخ بغداد . ( 5 ) زيدت عن تاريخ بغداد . ( 6 ) زيادة عن تاريخ بغداد . ( 7 ) زيد في تاريخ بغداد ، والجرذون دابة أكبر من اليربوع قليلا . ( 8 ) تاريخ بغداد 14 / 21 وسير الأعلام 10 / 311 وفوات الوفيات 4 / 228 وتاريخ الخلفاء ص 402 .