ابن عساكر
292
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
بعث إلي هارون فأتيته ، فأخذني خصيان حتى انتهيا « 1 » بي إليه في بهو ، فقال لهما هارون : ارفقا بالشيخ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما مرّ بي يوم منذ ولدتني أمي أنا أنصب فيه من يومي هذا ، فاتق اللّه يا أمير المؤمنين ، واعلم أن لك مقاما بين يدي اللّه أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك ، فاتق اللّه في خلقه ، واحفظ محمدا في أمته ، وانصح نفسك في رعيتك ، واعلم أن اللّه أخذ سطواته وانتقامه من أهل معاصيه بكم ، فاضطرب على فراشه حتى وقع على مصلى بين يدي فراشه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا ذل الصفة ، فكيف لو رأيت ذل المعاينة ، فكادت نفسه تخرج ، وكان يحيى بن خالد إلى جنبه ، فقال للخصيّين : أخرجاه ، فقد أبكى أمير المؤمنين . بعث « 2 » هارون إلى محمد بن السماك ، فقال له يحيى بن خالد : أتدري لم بعث إليك أمير المؤمنين ؟ قال : لا أدري ، قال له يحيى : بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك للخاصة والعامة « 3 » ، فقال له ابن السماك : أما ما بلغ أمير المؤمنين عني ذلك فبستر اللّه الذي ستره علي ، ولولا ستره لم يبق لنا ثناء ، ولا التقاء على مودة ، فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير المؤمنين . إني واللّه ما رأيت وجها أحسن من وجهك ، فلا تحرق وجهك بالنار ، فبكى هارون بكاء شديدا ، ثم دعا بماء فاستسقى « 4 » ، فأتي بقدح فيه ماء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء ؟ قال : قل ما أحببت ، قال : يا أمير المؤمنين ، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها ، أكنت تفتديها بالدنيا وما فيها حتى تصل إليك ؟ قال : نعم ، قال : فاشرب ، بارك اللّه فيك . فلما فرغ من شربه قال له : يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها ، أكنت تفتدي ذلك بالدنيا وما فيها ؟ قال : نعم ، قال : يا أمير المؤمنين ، فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه « 5 » ؟ فبكى هارون واشتد « 6 » بكاؤه ،
--> ( 1 ) بالأصل : انتهوا . ( 2 ) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد 5 / 372 في ترجمة ابن السماك ؛ والخبر رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء 8 / 209 من طريق سليمان بن أحمد ثنا محمد بن موسى ثنا محمد بن بكار وذكره ، باختلاف الرواية . ( 3 ) في الحلية : لما بلغه من صلاح حالك في نفسك ، وكثرة ذكرك لربك عز وجل ، ودعائك للعامة . ( 4 ) انظر البداية والنهاية 10 / 234 باختلاف . ( 5 ) في البداية والنهاية : فقال : إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء ، وقيمة نصفه الآخر بولة لخليق أن لا يتنافس فيه . ( 6 ) بالأصل : « واشتكى » والمثبت عن تاريخ بغداد .