ابن عساكر

216

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

وعن ابن عباس أنه قال حين أصيب بصرة : ما آسى على شيء من الدنيا إلا لو أني كنت مشيت إلى بيت اللّه عز وجل ، فإني سمعت اللّه عز وجل يقول : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ سورة الحج ، الآية : 27 ] . وعن عكرمة قال « 1 » : كان ابن عباس في العلم بحرا ينشقّ له من الأمر الأمور . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اللهم ، ألهمه الحكمة ، وعلمه التأويل » [ 14277 ] . فلما عمي أتاه ناس من أهل الطائف ، ومعهم علم من علمه - أو كتب من كتبه - فجعلوا يستقرءونه ، وجعل يقدّم ويؤخر . فلما رأى ذلك قال : إني تلهت من مصيبتي هذه ، فمن كان عنده علم من علمي ، أو كتب من كتبي فليقرأ علي ، فإن إقراري له به كقراءتي عليه . قال : فقرءوا عليه ، زاد في حديث آخر : ولا يكن في أنفسكم من ذلك شيء . تله الرجل إذا تحير . والأصل وله . والعرب قد تقلب الواو تاء ، يقولون : تجاه ، والأصل : وجاه « 2 » . ولما « 3 » وقعت الفتنة بين عبد اللّه بن الزبير وعبد الملك بن مروان ارتحل عبد اللّه بن عباس ومحمد بن الحنفيّة بأولادهما ونسائهما حتى نزلوا مكة ، فبعث عبد اللّه بن الزبير إليهما يبايعان فأبيا ، وقالا : أنت وشأنك ، لا نعرض لك ولا لغيرك « 4 » ، فأبى ، وألحّ عليهما إلحاحا شديدا . وقال فيما يقول : واللّه لتبايعنّ أو لأحرقنّكم بالنار ، فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة وقالا : إنا لا نأمن هذا الرجل ، فمشوا في الناس ، فانتدب أربعة آلاف ، فحملوا السلاح حتى دخلوا مكة ، فكبروا تكبيرة سمعها أهل مكة ، وابن الزبير في المسجد ، فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة ، ويقال : تعلق بأستار الكعبة ، وقال : أنا عائذ اللّه . قال : ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفيّة وأصحابهما ، وهم في دور قريب من المسجد

--> ( 1 ) رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 354 . ( 2 ) التله : الحيرة ، تله الرجل يتله تلها : حار ، ورأيته يتتله أي يتردد متحيرا . وقيل أصل التله بمعنى الحيرة : الوله ، قلبت الواو تاء ، وقد وله يوله . وتله يتله ، وقيل : كان في الأصل ائتله يأتله ، فأدغمت الواو في التاء ، فقيل : اتّله يتّله ، ثم حذفت التاء ، فقيل : تله يتله . ( 3 ) رواه الذهبي في سير الأعلام 3 / 356 عن عطية العوفي ، وتاريخ الإسلام ( 61 - 80 ) ص 160 والبداية والنهاية 6 / 65 . ( 4 ) في البداية والنهاية : وقال كل منهما : لا نبايعك ولا نخالفك .