ابن عساكر

213

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فأيّما أشرف ، أنت أم من شرفت به ؟ قال : إن الذي شرفت به زادني شرفا . قال : وعلت أصواتهما ، فقال ابن أخ لعبد اللّه بن الزبير : يا ابن عباس ، دعنا من قولك ، فو اللّه لا تحبونا يا بني هاشم أبدا . قال : فخفقه عبد اللّه بن الزبير بالنعل وقال : أتتكلم وأنا حاضر ؟ ! فقال له ابن عباس : لم ضربت الغلام وما استحق الضرب ؟ ! وإنما يستحق الضرب من مرق ومذق « 1 » . قال : يا ابن عباس ، أما تريد أن تعفو عن كلمة واحدة قال : إنما نعفو عمن أقر ، فأما من هرّ فلا . قال : فقال ابن الزبير : فأين الفضل ؟ قال ابن عباس : عندنا - أهل البيت - لا نضعه في غير موضعه فنذمّ ، ولا نزويه عن أهله فنظلم . قال : أو لست منهم ؟ قال : بلى إن نبذت الحد ، ولزمت الجدد « 2 » . قال : واعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما . وعن ابن عباس قال : لو أن العلماء أخذوا العلم بحقه لأحبهم اللّه عز وجل والملائكة والصالحون من عباده ، ولهابهم الناس ، لفضل العلم وشرفه . قال جندب لابن عباس « 3 » : أوصني بوصية ، قال : أوصيك بتوحيد اللّه ، والعمل له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة . فإن كل خير أنت آتيه بعد هذه الخصال منك مقبول وإلى اللّه مرفوع . يا جندب ، إنك لمن تزداد « 4 » من يومك إلا قربا ، فصلّ صلاة مودّع ، وأصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر ، فإنك من أهل القبور ، وابك على ذنبك ، وتب من خطيئتك ، ولتكن الدنيا أهون عليك من شسع نعليك ، وكأن قد فارقتها ، وصرت إلى عدل اللّه ، ولن تنتفع بما خلّفت ، ولن ينفعك إلا عملك . قال ابن بريدة « 5 » : رأيت ابن عباس آخذا بلسانه وهو يقول : ويحك ، قل خيرا تغنم ، أو اسكت « 6 » عن شرّ تسلم ، وإلا فاعلم أنك ستندم . قال : فقيل له : يا ابن عباس ، لم تقول هذا ؟ !

--> ( 1 ) مذق الود : لم يخلصه . ( 2 ) الجدد محركة وجه الأرض . وما استرق من الرمل وانحدر ، وفي المثل : من سلك الجدد أمن العثار ، يريد من سلك طريق الإجماع ، لكني عنه بالجدد ، ولعله المراد هنا . ( 3 ) الخبر رواه ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 64 . ( 4 ) في البداية والنهاية : لن تزدد . ( 5 ) رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء 1 / 327 - 328 من طريق أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الوهاب عن سعيد الجريري عن رجل ، وذكره ، باختلاف الرواية . وابن كثير في البداية والنهاية 6 / 63 . ( 6 ) في الحلية : « واسكت » بدلا من « أو اسكت » .