ابن عساكر

210

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

وأفضل البررة ، وأصبر القراء « 1 » ، هجّادا « 2 » بالأسحار ، كثير الدموع عند ذكر الدار « 3 » ، دائب الفكر فيما يعنيه بالليل والنهار ، نهاضا إلى كل مكرمة ، سعّاء إلى كل منقبة ، فرّارا من كل موبقة ، صاحب جيش العسرة « 4 » ، وصاحب البئر « 5 » ، وختن المصطفى عليه السلام على ابنتيه ، فأعقب اللّه من ثلبه الندامة إلى يوم القيامة . قال معاوية : فما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال : رحم اللّه أبا الحسن ، كان واللّه علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحلّ الحجا ، وطود النّدى « 6 » ، ونور السفر « 7 » في ظلم الدجى ، وداعيا إلى المحجّة العظمى ، وعالما بما في الصحف الأولى ، وقائما بالتأويل والذكرى متعلقا بأسباب الهدى ، وتاركا للجور والأذى ، وحائدا عن طرقات الردى ، وخير من آمن واتقى ، وسيّد من تقمّص وارتدى ، وأفضل من حجّ وسعى ، وأسمح من عدل وسوّى ، وأخطب أهل الدنيا سوى الأنبياء والمصطفى ، وصاحب القبلتين ، وزوج خير النساء ، وأبو السّبطين ، لم تر عين مثله ، ولا ترى أبدا حتى القيامة واللقاء . فعلى من لعنه لعنة اللّه والعباد إلى اليوم القيامة . قال معاوية : فما تقول في طلحة والزبير ؟ قال : رحمة اللّه عليهما ، كانا واللّه عفيفين ، مسلمين ، برّين ، طاهرين ، مطهّرين ، شهيدين ، عالمين باللّه ، لهما النصرة القديمة والصحبة الكريمة ، والأفعال الجميلة - وفي حديث آخر : زلّا زلّة اللّه غافرها لهما . قال : ما تقول في العباس بن عبد المطلب ؟ قال : رحم اللّه أبا الفضل ، كان واللّه صنو أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقرّة عين صفي اللّه ، لهميم « 8 » الأقوام ، وسيّد الأعمام ، قد علا بصرا بالأمور ، ونظرا في العواقب « 9 » . علم تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته ، وتباعدت الأنساب

--> ( 1 ) في المجمع : وأصبر الغزاة . ( 2 ) في مختصر ابن منظور : « هجاد » « والمثبت عن المجمع والمعجم الكبير . ( 3 ) كذا ، وفي المعجم الكبير والمجمع : اللّه . ( 4 ) كان عثمان بن عفان ( رضي ) قد جهز نصف جيش العسرة من ماله وهو جيش غزوة تبوك ، حيث حض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الغنى على النفقة والحملان ( انظر سيرة ابن هشام 4 / 161 ) . ( 5 ) يعني بئر رومة ، وكان ماؤها يباع لابن السبيل ، فابتاعها عثمان بن عفان ووقفها على المسلمين وأباحها ابن السبيل . ( 6 ) في المعجم الكبير : طود النهى . ( 7 ) في المعجم الكبير والمجمع : نور السرى . ( 8 ) اللهميم واللهموم : الجواد من الناس والخيل ( اللسان ) . ( 9 ) في المعجم الكبير : « نظر في العواقب » وفي المجمع : « نظرا بالعواقب » .