ابن عساكر
218
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
الملك : وأبيك يا سطيح ، إن ذلك لنا لغائط موجع ، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أو بعده ؟ قال : بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين ، يمضين من السنين . قال : فهل يدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال : ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين ثم يقتلون بها أجمعين ويخرجون منها هاربين . قال الملك : ومن الذي يلي ذلك منهم من قتلهم وإخراجهم ؟ قال : يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال : فيدوم ذلك من سلطانه ؟ أو ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين . قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي ، قال : وممن هذا النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر « 1 » يا سطيح من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون . قال : أحق ما تخبرني به يا سطيح ؟ قال : نعم . والشفق والغسق والفلق إن ما نبأتك به لحق . قال : فلما فرغ سطيح من قوله قدم عليه شق ، فدعا به ، فقال : يا شق إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها ، فأخبرني عنها ، فإنك إن أصبت ، أصبت تأويلها كما قال لسطيح . وقد كتمه ما قال سطيح له لينظر أيتفقان أم يختلفان . قال : نعم . رأيت حممة خرجت من ظلمة ، فوقعت في روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة . فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا ، وأن قولهما واحد . إلا أن سطيحا قال : وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة ، وقال شق : وقعت بين روضة واكمة وأكلت منها كل ذات نسمة . فلما رأى الملك ذلك أن قولهما شيئا واحدا قال : ما أخطأت يا شق ، فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، ليردن أرضكم السودان ، فليغلبن على كل ذي طفلة « 2 » البنان ، وليملكن ما بين أبين ونجران . قال له الملك : وأبيك يا شق ، إن هذا لنا لغائط موجع ، فمتى هو كائن في زماني أم بعده ؟ قال : بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن ، يذيقهم أشد الهوان . . .
--> ( 1 ) بالأصل : الدهر ، والمثبت عن سيرة ابن هشام . ( 2 ) الطفلة : الناعمة الرخصة .