ابن عساكر

164

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

مولى مغرى بالأدب ، وكانت قد أخذت عنه وروت الأشعار ، وكان المتوكل بها معجبا ، فغضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها ، فكانت في حجرتها لا يكلمها أحد أياما ، فرأته في المنام كأنه قد صالحها . قال علي : فلما أصبح دخلت عليه فقال : يا علي ، أشعرت أنّي رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني ! فقلت : خيرا يا أمير المؤمنين ، إذا يقرّ اللّه عينك ، ويسرّك ، فو اللّه إنا لفيما نحن فيه من حديثها ، إذ جاءت وصيفة لأمير المؤمنين فقالت : يا سيدي ، سمعت صوت عود من حجرة محبوبة ، فقال أمير المؤمنين : قم بنا يا علي ننظر ما هذا الأمر ! فنهضنا حتى أتينا حجرتها ، فإذا هي تضرب بالعود وتقول : أدور في القصر لا أرى أحدا * أشكو إليه ولا يكلّمني حتى كأنّي أتيت « 1 » معصية * ليست لها توبة تخلّصني فهل شفيع لنا « 2 » إلى ملك * قد رآني « 3 » في الكرى فصالحني حتّى إذا ما الصّباح لاح لنا * عاد إلى هجره فصارمني قال : فصاح أمير المؤمنين وصحت معه ، فسمعت فتلقت أمير المؤمنين ، وأكبّت على رجليه تقبلهما فقالت : يا سيدي ، رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني . فقال : وأنا واللّه قد رأيتك ، فردّها إلى مرتبتها كأحسن ما كانت . فلما كان من أمر المتوكل ما كان « 4 » ، تفرقن وصرن إلى القوّاد ، ونسين أمير المؤمنين ، فصارت محبوبة إلى وصيف الكبير ، فما كان لباسها إلا البياض ، وكانت تنتحب وتشهق ، إلى أن جلس وصيف يوما للشرب ، وجلس جواري المتوكل يغنينه ، فما بقيت منهن واحدة إلّا تغنت غيرها . فقالت : إن رأى الأمير أن يعفيني فأبى . فقال لها الجواري : لو كان في الحزن فرج لحزنا معك . وجيء بالعود فوضع في حجرها فأنشأت تقول : أيّ عيش يطيب « 5 » لي * لا أرى فيه جعفرا

--> ( 1 ) الأغاني : ركبت . ( 2 ) الأغاني : فهل لنا شافع . ( 3 ) الأغاني وتاريخ الخلفاء : زارني . ( 4 ) يعني لما قتل ، والخبر والشعر في الأغاني 22 / 201 - 202 وتاريخ الخلفاء ص 411 وسير الأعلام 12 / 40 - 41 . ( 5 ) تاريخ الخلفاء وسير الأعلام : يلذ .