ابن عساكر
121
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
منعة من قومه ومن عمه ، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد « 1 » عنده ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل اللّه لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه . فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها ، فنزلنا بخير دار إلى خير جار ، أمنّا على ديننا ، ولم نخش ظلما . فلما رأت قريش أنّا قد أصبنا دارا وأمنا ، اجتمعوا « 2 » على أن يبعثوا إليه فينا ، ليخرجونا من بلاده ، وليردنا عليهم . فبعثوا عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة ، فجمعوا له هدايا ولبطارقته ، فلم يدعوا منهم رجلا إلّا بعثوا « 3 » له هدية على حدة ، وقالوا لهما : ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا فيهم ، ثم ادفعوا إليه هداياه ، وإن استطعتما أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا . فقدما علينا ، فلم يبق بطريق من بطارقته إلّا قدّموا إليه هديته ، فكلموه ، فقالوا له : إنا قدمنا على هذا الملك في سفهاء من سفهائنا ، فارقوا أقوامهم في دينهم ، ولم يدخلوا في دينكم فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم ، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل ، فقالوا : نفعل . ثم قدّموا « 4 » إلى النجاشي هداياه ، فكان من أحب ما يهدى إليه من مكة الأدم . فلما أدخلوا عليه هداياه فقالوا له : أيها الملك إن فتية منا سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه ، وقد لجئوا إلى بلادك فبعثنا إليك فيهم عشائرهم ، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم ، فهم أعلى بهم « 5 » عينا . فقالت بطارقته : صدقوا أيها الملك ، لو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم ، فإنهم لم يدخلوا في دينك فيمنعهم أملك « 6 » . فغضب ، ثم قال : لا لعمر اللّه ، لا أردهم عليهم حتى أدعوهم وأكلمهم وانظر ما أمرهم ، قوم لجئوا إلى بلادي ، واختاروا جواري على جوار غيري ، فإن كانوا كما تقولون رددتهم عليهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ، ولم أدخل بينهم وبينهم ، ولم أنعمهم عينا . فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ، ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم ،
--> ( 1 ) في مختصر ابن منظور : أحدا ، والمثبت عن سيرة ابن إسحاق . ( 2 ) في سيرة ابن إسحاق : أجمعوا . ( 3 ) في سيرة ابن إسحاق : هيئوا له هدية على ذية حدة . ( 4 ) سيرة ابن إسحاق : قدما . ( 5 ) أعلى بهم عينا أي أبصر بهم وأعلم بحالهم . ( 6 ) سيرة ابن إسحاق : فتمنعهم بذلك ، فغضب .